د. مدى الفاتح - الإرهاب ألوان وأشكال

أيلول 13, 2017
د. مدى الفاتح - الإرهاب ألوان وأشكال

نشرت قبل عامين مقالاً عن مأساة أقلية الروهينغا المسلمة. كانت حوادث العنف آنذاك متنامية، كما هي الحال هذه الأيام. إلا أن الأمل كان يحدو المتابعين بأن تكون هذه المأساة في طريقها إلى النهاية والحل.

النظرة التي بالغت في الأمل كانت تستبعد أن تواصل أجنحة التشدد البوذية، المحمية من قبل السلطات جرائمها في ظل الضوء الكثيف، الذي تم تسليطه على تلك الجرائم من قبل وسائل الإعلام، ومن المنظمات العالمية التي استطاعت نقل صوت المكلومين وإيصاله لمجلس الأمن الدولي، الذي استمع لكثير من المطالبات التي تحثه على التدخل من أجل وقف هذا التنكيل، وهذه الحالة الاستثنائية التي تعيشها ما سمتها الأمم المتحدة نفسها، بالأقلية الأكثر اضطهاداً في العالم.

البيانات القوية والتقارير التي وثقت مئات الجرائم الجماعية الموجهة ضد المدنيين، كانت توحي بأن «المجتمع الدولي» في طريقه لممارسة ضغط على الحكومة البورمية، يجعلها تتوقف عن تسترها وتواطئها مع المجرمين، خاصة أنه كان على رأسها المناضلة الشهيرة التي حصلت للتو على جائزة السلام العالمية المرموقة، تقديراً لجهودها من أجل إعلاء قيم الديمقراطية في بلادها.

إلا أن جميع أولئك كانوا مخطئين، حيث لم يقدم كل ذلك أي دافع حقيقي للمعنيين يجعلهم يوقفون هذه الممارسات، بل بدت كل التحركات على الصعد الإنسانية والحقوقية وكأنها ذر للرماد في العيون. تحركات قد تنجح في تعطيل مسيرة الاستئصال قليلاً، أو إلى دفع السلطات إلى التبرير وإلى فتح الطريق أمام بعض وسائل الإعلام، إلا أنها لن تقود أبداً لتجفيف منابع التطرف ومناقشة المشكلة وتقديم المتورطين في هذه الانتهاكات إلى المحاكمة.

من الأسئلة التي تداولها الناشطون حول هذه القضية كان السؤال: لماذا لم يتعامل صناع القرار العالمي مع أزمة أقلية الروهينغا تعاملهم مع الأزمات المشابهة، كتلك التي افتعلها تنظيم «الدولة» عبر استهدافه الأقلية الإيزيدية؟

في الحالة الأخيرة، ومع ورود القصص الأولى التي تحكي عن معاناة الطائفة الإيزيدية تم خلق حالة إقليمية ودولية من الاستنفار، الذي ترعاه دول ومؤسسات كبرى، من أجل التدخل العسكري المباشر لوقف الظلم ضدهم. كانت الدول الإسلامية التي تسابقت للتبرؤ من أعمال تنظيم «الدولة «الإرهابية جزءاً من ذلك الاستنفار، في حين فتحت الدول الأوروبية أبوابها لاستقبال الفارين، كما فتحت قلوبها للاستماع إلى قصصهم في برلماناتها ومجالسها.

لا نقلل هنا من شأن الاعتداءات التي وقعت على الطائفة الإيزيدية، أو غيرها من الطوائف التي تم استهدافها من قبل التنظيمات الفوضوية المتحججة بالإسلام، وإن كانت هذه التنظيمات تستهدف قبل هؤلاء جميعاً أبناء جلدتها من المسلمين، لكن التساؤل الذي يفرض نفسه هو ذلك المتعلق بالتعامل «المختلف» مع الظلم الذي يتعرض له البعض، والمقصود هنا المسلمون تحديداً، بدءاً من جرائم الاحتلال في فلسطين ونهاية بالكثير من الظلامات التي تتسبب فيها أنظمة مدعومة من «دول حقوق الإنسان».

هذا المكيال المتقلب الذي يتم عبره النظر إلى الإرهاب عبر مقاييس مختلفة، تمنحه ألواناً وأشكالاً يكون بعضها مقبولاً (كاستخدام مجموعات واضحة الإرهاب في مكافحة تنظيم الدولة)، هذا المكيال يدعم بشكل كبير نظرية الاستهداف العالمي للمسلمين، التي تصوّر العالم في حالة حرب ضد الإسلام، وهي النظرية التي تتبناها جماعات الإرهاب، وتجند من خلالها العشرات من الشباب حول العالم، وهو ما ينتج عنه المزيد من أعمال العنف في مناطق مختلفة من العالم.

الأمر ذاته يمكن ملاحظته عند التعامل مع الأحداث التي تحمل شبهة إرهاب، والتي تحدث في العالم الغربي خاصة. فحين يظهر أن المنفذ من أصول عربية أو إسلامية يتم تسليط الضوء على ذلك، وعلى الحادث الذي لن يتردد أحد في وصفه بالإرهابي، فإن كان المنفذ جزءا من مجموعة، سميت خلية إرهابية، وإن كان قد تصرف من تلقاء نفسه فإنه «ذئب منفرد» متأثر بأدبيات «القاعدة» أو تنظيم «الدولة». أما إن كان غير ذلك فيتم التقليل من شأن الحدث لدرجة تبلغ حد التواطؤ أحياناً، خاصة حين تحرص السلطات على نفي صفة الإرهاب عنه، بغض النظر عن بشاعته، وعما خلفه من خسائر في المال أو حتى الأرواح. لا يخفى هنا ذلك الإحساس بالتمييز الذي يمكن أن يتولد لدى المواطنين من أصحاب العقيدة الإسلامية، خاصة عند الشباب الذين يشعرون أصلاً بالكثير من التهميش والتحيز ضدهم. إحساس سوف يقودهم في كثير من الأحيان إلى مزيد من التطرف والراديكالية كرد فعل. إذا كان الدين الإسلامي هو سبب النظرة الدونية إليهم، فإن جيل التمرد الجديد سوف يبالغ في إظهار انتمائه له لأسباب قد تكون ذات صبغة تحدٍ ثقافية أكثر من كونها أسباباً «تديّنية». هنا تبدو صورة الفتيات المهتمات بارتداء الحجاب أكثر من اهتمامهن بأداء الفروض الأخرى، كظاهرة اجتماعية جديرة بالملاحظة.

المكاييل المختلفة تظهر أيضاً من خلال التساؤل عن مصدر السلاح الذي يوجّه إلى صدور المدنيين، ألا يأتي كله، أو معظمه، من دول حقوق الإنسان ذاتها التي تجرّم بيع السلاح الذي يتحول وقوداً لحرب أهلية، أو الذي يستخدم لتنفيذ جرائم ضد الإنسانية؟ تلك الدول التي تتلكأ وتتردد في دعم كثير من المناضلين الذين يسعون لحماية أنفسهم من طاغية مستبد أو محتل غاشم بحجة الخشية من وقوع السلاح في الأيدي الخطأ. في يومي 11 و12 من الشهر الماضي اندلعت اشتباكات واسعة في مدينة شارلوتسفيل الأمريكية بين قوميين بيض وجماعات مناوئة لهم. خلّفت الأحداث بعض الضجة حينما قامت عربة بتعمد الدخول في تجمع للمتظاهرين، ما تسبب في مقتل أحد المواطنين دهساً وجرح آخر. هذا التطور تسبب بلفت الانتباه لما كان يحدث في تلك المدينة، خاصة بعد ثبوت وقوف جماعات بيضاء متطرفة مثل «كو كلوكس كلان» والنازيين الجدد خلفها، إلا أنه رغم ذلك فإن الأحداث لم تأخذ أي بعد تصعيدي، أما رد فعل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فقد كان الاكتفاء بالإدلاء بتصريحات مقتضبة وفضفاضة يدين فيها العنف من جميع الجهات.

تعليقاً على ذلك كتبت كارين عطية من صحيفة «الواشنطن بوست» مقالاً تحت عنوان: ماذا لو غطى الإعلام الغربي شارلوتسفيل بالطريقة ذاتها التي يغطي بها الدول الأخرى؟ كان المقال المكتوب بلغة ساخرة يتخيل كيف كانت التغطية لتكون مشحونة بالأوصاف عن قلق المجتمع الدولي حيال «العنف الإثني» في الولايات المتحدة، الذي ازدهر في ظل «نظام دونالد ترامب» وغيرها من التوصيفات التي يسهل إطلاقها على «الآخر».

أرادت عطية أن تلفت النظر إلى أنه لا توجد تغطيات محايدة، وهي حقيقة يمكن ملاحظتها عند مقارنة حادث الدهس هذا بحوادث الدهس التي كان منفذوها من المسلمين، وكيف تم خلق ضجة إعلامية كبرى حولها، ثم مقارنة كل ذلك بحادث من نوع آخر كالذي جرى في رمضان الماضي في بريطانيا حين تعمد سائق دهس المصلين المسلمين الذين كانوا يؤدون صلاة التراويح.

المشكلة التي تواجه عالمنا المعاصر هي أنه يتعامل مع ظاهرة الإرهاب لا بحسب الخطر الإرهابي ونوعه، وإنما وفقاً لهوية الجاني.

المصدر : القدس العربي 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة