أخبار سوريةدمشققسم الأخبار

“موت للمرة الثانية”.. “المرسوم 66” يعبث بمقابر السوريين وينتهك حق أصحابها

نص المرسوم على "إحداث منطقتين تنظيميتين في مدينة دمشق لتطوير مناطق المخالفات والسكن العشوائي"

يترقب الشاب الثلاثيني عبد الهادي “الموت للمرة الثانية”، بحسب تعبيره، بعد بلاغ تلقاه من “مجلس محافظة دمشق” التابع للنظام، يقضي بضرورة نقل قبر والده من مقبرة “وقف الأحداث” في منطقة كفرسوسة، التي تبعد عن مركز العاصمة السورية بضعة كيلومترات.

 

ويقول عبد الهادي، المقيم في دمشق، في تصريحات لموقع “الحرة”: “تجربة إخراج الميت من قبره ودفنه في قبر جديد صعبة. التجربة كالموت الأول. نفس شعور الحزن. شعور الانكسار. سنعيش أجواء الموت الأول”.

 

لا يستهدف البلاغ شريحة واسعة من سكان كفرسوسة، لكنه وصل في الأيام الماضية إلى أهالي حي اللوان، أولئك الذين دفنوا موتاهم في المقبرة المذكورة، قبل سنوات.. بعد عام 2011.

 

وتضم المقبرة ما بين ألف و 1200 جثمان، كان “مجلس محافظة دمشق” حدد شروطا لنقلها.

 

الشروط تتضمن إحضار ذوي المتوفى موافقة “نقل جثمان” من النيابة العامة في محكمة دمشق، على أن يتم التوجه بعد ذلك إلى مختار الحي، الذي سيرسلهم بدوره إلى قسم شرطة كفرسوسة، ولاحقا سيتم تحويلهم إلى مكتب دفن الموتى، الذي سيشرف على النقل.

 

وكان مفترضا أن تنتهي مهلة البلاغ في 31 من يوليو الماضي، إلا أن “مجلس محافظة دمشق” مددها لأيام، بحسب الشاب عبد الهادي الذي قال: “هناك قسم كبير من السكان في الخارج عاجزون عن فعل شيء. قلة قليلة بدأت بإجراءات نقل الجثامين من أوراق وموافقات”.

 

ويوضح أن مقبرة “وقف الأحداث” يوجد فيها إلى جانب المقابر الفردية “مقابر جماعية” تضم مدنيين وعسكريين، كانوا قد قضوا إثر العمليات العسكرية التي أطلقتها قوات النظام، في عام 2016 وقبل ذلك.

 

من يتولى النقل؟

في تصريحات له أواخر شهر يوليو الماضي قال المحامي العام في دمشق، خالد معربوني، إن مكان مقبرة “وقف الأحداث” في كفرسوسة قد خُصّص لإنشاء “السكن البديل” وأن عملية نقل القبور منها “مجانية”.

 

وأضاف معربوني لإذاعة “ميلودي أف أم” التي تبث من العاصمة دمشق أن “المرسوم 66 القاضي بإحداث منطقتين تنظيميتين أُلحق به مصور تنظيمي، وبحسب المصور لوحظ أن مكان المقبرة الحالية يشغل مساحة مخصصة لإنشاء السكن البديل”.

 

ورغم التأكيدات الرسمية بأن عملية نقل الجثامين “مجانية”، إلا أن الشاب الذي تحدث إليه موقع “الحرة” يقول إنه “حديث إعلامي لا أكثر. لا يوجد أي تعويض فيما يخص سعر القبر”.

 

ويشير: “بطبيعة الحال، وبعيدا عن أي خيارات هناك وجهة وحيدة لنقل الجثامين وهي مقبرة نجها. جميع المقابر في العاصمة دمشق ممتلئة. في حال الحصول على قبر فإن سعره يتجاوز 10 ملايين ليرة سورية. هذا بعيدا عن إجراءات الدفن الأخرى”.

 

“أسعار بالملايين”

موقع “هاشتاغ سيريا” المحلي ذكر في تقرير حديث له أن سعر القبر الواحد في مقبرة الدحداح وسط العاصمة يتراوح بين 13 مليون إلى 15 مليون ليرة سورية، في حين وصل سعر القبر الواحد في مقبرة باب شرقي إلى ما يقارب 3 ملايين ليرة سورية للقبر الكامل، ومليون ليرة سورية للدرج الواحد في المدفن”.

 

أما ثمن القبر الواحد في مقبرة باب الصغير فيترواح ما بين 10 مليون ليرة و 12 ليرة، علما أن شراء القبور فيها متوقف منذ عام 2017 بسبب الاكتظاظ الكبير بالقبور.

 

وتجاوز سعر القبر الواحد في مقبرة الشيخ رسلان 17 مليون ليرة سورية، والسبب يعود إلى “موقعها الاستراتيجي” في دمشق.

 

وعدا ذلك هناك رسوم باتت من المتعارف عليه بين سكان العاصمة دمشق في حال حدوث أي وفاة، إذ تبلغ رسوم الدفن في مكتب دفن الموتى 20 ألف ليرة سورية. وهناك رسوم أخرى للكفن وسيارة النقل وغسيل المتوفى تقدر بـ70 ألف ليرة سورية.

 

ويفوق ثمن شاهد القبر وأجر عامل الحفر 250 ألف ليرة سورية، بحسب ما أكد سكان في دمشق لموقع “الحرة”، في اتصال هاتفي.

 

ما هو المرسوم 66؟

في عام 2012 أصدر رئيس النظام بشار الأسد مرسوما حمل رقم “66”، نص على إحداث منطقتين تنظيميتين واقعتين ضمن المصوّر العام لمدينة دمشق، “لتطوير مناطق المخالفات والسكن العشوائي وفق الدراسات التنظيمية التفصيلية المعدة لهما”.

 

وتضم المنطقة الأولى، بحسب المرسوم، جنوب شرقي منطقة المزة من المنطقتين العقاريتين مزة- كفرسوسة، أما المنطقة الثانية فتضم جنوب المتحلق الجنوبي من المناطق العقارية مزة- كفرسوسة- قنوات بساتين- داريا- قدم.

 

وبينما أطلق على اسم المنطقة الأولى مشروع “ماروتا سيتي”، سميت الثانية باسم “باسيليا سيتي” (اسم سرياني يعني الجنة)، وتصل مساحتها إلى 900 هكتار، بما يعادل تسعة ملايين متر مربع، بينما يبلغ عدد عقارات المشروع 4 آلاف عقار.

 

وفي فبراير الماضي كانت محافظة دمشق أعلنت عن بدء العمل بأبراج السكن البديل في المنطقة التنظيمية الثانية (باسيليا سيتي).

 

وقال مدير الدراسات الفنية في المحافظة، معمر الدكاك، لوسائل إعلام رسمية، حينها: “بدأ صب الطبقة البيتونية لأول أبراج السكن البديل، في مشروع (باسيليا سيتي)”، لافتا إلى متابعة العمل لإكمال الأبراج في المشروع ضمن الفترة الزمنية المعلَنة، التي تصل حتى 3 سنوات لكل برج.

 

“مع المرحلة الثانية”

المهندس محمد مظهر شربجي، الذي شغل سابقا منصب رئيس شعبة المهندسين بريف دمشق، يقول إن البلاغ الصادر عن مجلس محافظة دمشق بضرورة البدء بإجراءات نقل مقبرة “وقف الأحداث” يتزامن مع الشروع بالمرحلة الثانية من “باسيليا سيتي”.

 

ويضيف شربجي في تصريحات لموقع “الحرة”: “في السابع من شهر يوليو الماضي بدأت المرحلة الثانية من تطبيق مرسوم الأسد، وأعلنت محافظة دمشق مخططا تنظيميا أوضحت فيه أرقام العقارات، وكيفية حل الملكيات بالأمتار”.

 

ويتابع المهندس السوري: “تم تحويل الملكيات من أمتار إلى حصص سهمية، وأعلن عن أسماء المالكين. في مدينة داريا فقط كان هناك 61 صفحة لأسماء المالكين”.

 

وبحسب شربجي فقد حددت محافظة دمشق أسماء المالكين من مناطق: المزة، كفرسوسة، القدم، داريا الشرقية، داريا الجنوبية، الميدان، الميدان وسطاني.

 

ويقول حقوقيون سوريون إن مشروعات “إعادة الإعمار” التي بدأها النظام في محيط العاصمة دمشق تشكّل انتهاكا لحقوق السوريين، خاصة الغائبين منهم والمقيمين في بلدان اللجوء.

 

وكانت تلك المشروعات وبالأخص “ماروتا سيتي” و”باسيليا سيتي” قد استقطبت عددا من رجال الأعمال المقربين من النظام، منهم سامر فوز ومازن ترزي ورامي مخلوف، وهي أسماء استهدفتها العقوبات الأوروبية والأميركية خلال السنوات الأخيرة.

 

وفي يونيو 2019 فرضت الخزانة الأميركية عقوبات على 16 كيانا وشخصية مقربة من النظام على رأسهم رجل الأعمال سامر فوز.

 

وقالت الخزانة في بيان لها آنذاك إن “الأسد وقع على قرار بطرد المواطنين من المناطق الأشد فقرًا لتمهيد الطريق لمشروعات إعادة الإعمار الفاخرة التي يستفيد منها رجال الأعمال المقربون منه”، بما في ذلك مشروع “ماروتا سيتي” في دمشق الذي يملك سامر فوز الحصة الأكبر فيه.

 

في المقابل كان الاتحاد الأوروبي قد فرض، في يناير 2019، عقوبات على 11 رجل أعمال سوريًا، و5 كيانات تجارية، معظمهم على صلة بمشروع المخطط التنظيمي “ماروتا سيتي”، الذي تنفذه “شركة دمشق الشام القابضة” في مدينة دمشق.

 

“مشكلة التقييم”

وفي سياق حديثه لموقع “الحرة” أشار المهندس السوري، مظهر الشربجي إلى “نقطة لافتة” تتعلق بمشروعات إعادة الإعمار التي تتبناها حكومة النظام في محيط العاصمة دمشق.

 

ويقول شربجي: “المشكلة الكبيرة تتعلق بالتقييم المالي. تنفيذ المشروعات يتم في عام 2021 أما التقييم للعقارات والأسهم فكان في عام 2012. هذا ظلم كبير للسكان. قيمة المتر الواحد في 2012 كانت 30 إلى 40 ألف ليرة سورية (حينها كان الدولار يساوي 65 ليرة) أما اليوم فالدولار يزيد عن 3725 ليرة بحسب سعر صرف السوق الموازي”.

 

وفي الوقت الحالي تبدأ حكومة النظام بإفراغ المناطق وتقسيمها إلى أملاك عامة وأخرى خاصة، ويتابع المهندس السوري: “حاليا يتم التجهيز للمرحلة المقبلة”.

 

وتصف الأمم المتحدة وضع الدمار في سوريا بـ”غير المسبوق”، وتقدر كلفة إعادة الإعمار بنحو 400 مليار دولار، وهو ما أكده في وقت سابق رئيس النظام، بشار الأسد، إذ قدّر المدة الزمنية لعملية إعادة الإعمار من 10 إلى 15 عاما.

الحرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى