مقالات

وليد بركسية – “فانية وتتبدد”: أسلوب أنزور المباشر ليس أفضل من “داعش”

ينطلق البروموشن الجديد لفيلم “فانية وتتبدد” من الرؤية النمطية لتنظيم “داعش”، إذ يصور كثيراً من العنف والدماء والجنس في دقيقتين ونصف الدقيقة، ويركز على سبي النساء وسوق العبيد، كزاوية لبث بروباغندا النظام الرسمية حول ظلامية “داعش”، مقدماً أنصاف الحقائق بالابتعاد عن ذكر دور نظام الرئيس السوري بشار الاسد في تدمير البلاد.

والفيلم، هو آخر انتاجات المخرج السوري نجدة أنزور، بعد تحوله من العمل الفني إلى المخرج الأول لبروباغندا النظام، ويظهر فيه ممثلون كبار كزيناتي قدسية وفايز قزق في أدوار قادة “داعش” بشكل لافت بصرياً.

يشكل الفيلم، كما يبدو، امتداداً لسلسة أنزور المحاربة للإسلام التكفيري منذ أعمال درامية قديمة (الحور العين، ما ملكت أيمانكم، ..) وامتداداً آخر لسلاسل البروباغندا الرسمية السينمائية، بعد فيلمه الأخير “مملكة الرمال” التي هاجم فيها النظام السعودي من وجهة نظر دينية أيضاً، وتبدو الموسيقى واللقطات متشابهة بين الفيلمين إلى حد كبير.

الأدوات التي يستخدمها أنزور فنياً وبصرياً رفيعة المستوى من ناحية الإضاءة وأماكن التصوير واللعب على الألوان، ويلاحظ أداء تمثيلي عالي من أبطال الفيلم، لكن السياق العام لأفكاره ضمن البرومو تبدو دعائية. فمقاتلو داعش يحرقون مجموعة من الكتب لكن لا يظهر منها سوى عنوان “سوريا أرض الحضارات”، وهي رمزية ضعيفة تمجد أيام ما قبل الثورة وتندد بداعش الآتية من الخارج السوري. بل إن العنوان نفسه “تلقيني”، يعظ المتلقي ويفرض عليه وجهة نظر لا تقلّ دوغمائية عن أفكار تنظيم داعش نفسه، وهنا تنتفي السينما.. على الأقل كما يقترح البرومو الترويجي للفيلم.

يروج الفيلم لفكرة العنف الداعشي الذي سيغزو أوروبا، عن طريق تكثيف الممارسات الداعشية المخيفة، وهو نقل للواقع، ثم يمرره إلى العالم عبر رسالة سياسية على لسان الشخصيات: “داعش ستغزو أوروبا”، أي أن هذا الشريط المرعب سيتكرر في العالم الغربي الذي عليه أن يتحالف مع النظام الذي لا يقتل سوى السوريين، للحفاظ على الحضارة الغربية من بربرية “داعش”.

لو ناقش أنزور “داعش” بمزيد من العمق، وابتعد عن تمرير رسائله السياسية التي لن يلتقطها أحد كون الفيلم سيلاقي صعوبات في العرض، لكان حقق شريطاً مهماً على الأغلب، خاصة لو عاد إلى جذور الفكر الإسلامي المتشدد.. وهو، على اي حال، لم يناقش النقاط التي تدفع بالشباب العاديين لاعتناق المذاهب المتطرفة في ظل الأنظمة القمعية، وهي نقاط كان يوردها في مسلسلاته التي تتحدث عن الإرهاب وتحديداً في “ما ملكت أيمانكم”.

توقف المعلقون في السوشيال ميديا حول لقطة صلاة النساء السجينات دون وضوء ودون لباس شرعي في الزنزانة الداعشية، وحول إمامة المرأة لزميلاتها في السجن خلال الصلاة للرب المتسامح للخطايا، وشكل ذلك أساس الانتقادات الإسلامية للبرومو. حتى الإسلاميين المعادين لداعش وقفوا عند هذه الفكرة واعتبروا الفيلم مسيئاً للإسلام ككل وليس لداعش فقط.. وهذا ما يزيد الطين بلّة، لأن الكثير من المتلقين لا يبدو أوسع افقاً من أنزور.

اللقطة هي رمزية أخرى قصد بها أنزور تصوير الإله السوري المتسامح ضد الإله الداعشي، وأتت كوميدية إلى حد ما. فالله حسب الفيلم يقبل الإيمان والصلاة من أي شخص مهما كانت حالة جسده، وهنا التناقضات (المباشرة!) التي يحاول الفيلم اللعب عليها، بين الطهارة والإجرام وبين الإرهاب والإيمان، ضمن سياق ضعيف يظهر بكلمات مكتوبة بالأبيض على خلفية سوداء.

في السياق، إن محاكمة الفيلم من زاوية لقطة “المرأة العارية خلال التعذيب “فقط” غير كاف وناقص، وهي الزاوية التي تناولها معظم المعلقين على الفيديو عبر السوشيال ميديا، حيث رأى فيها البعض نوعاً من الإهانة للفن السوري مهما كان هذا الفن مسيساً، فيما رأى آخرون أن التوقف عنده ضرورة فكرية كونه يرفع مستوى السخرية السياسة من الفيديو إلى مستوى فلسفي.

الفيلم صوّر بالكامل في دمشق طوال الشهرين الماضيين، وهو أول تعاون بين أنزور و”المؤسسة العامة للسينما” التابعة لوزارة الثقافة السورية، وهو من تأليف أنزور نفسه بالشراكة مع هالة دياب التي كتبت أيضاً نصوصه الدرامية حول الإرهاب سابقاً، ولم يحدد موعد عرضه الكامل بعد، علماً أن آخر أعمال أنزور كان مسلسل “امرأة من رماد” للممثلة السورية سوزان نجم الدين.

المصدر : المدن 

زر الذهاب إلى الأعلى