مقالات

حسن أبو هنية – ما بعد الإسلام السياسي

منذ انبثاق وظهور مفهوم «ما بعد الإسلام السياسي» قبل أكثر من عقدين ونصف من الزمن، لا يزال المفهوم يثير جدلا واسعا في الأوساط الأكاديمية الغربية، على صعيد التعريف والتطبيق والصلاحية بسبب قدرته التفسيرية المحدودة وتأثيراته التنبؤية الضعيفة وتداعياته الفكرية المتواضعة على موطن الظاهرة في العالم العربي ــ الإسلامي، فالمجهودات البحثية المضنيّة التي بذلت في سبيل تطوير الإطار النظري لمرحلة ما بعد الأسلمة، وشيوع ما بعد الإسلاموية كأداة تحليلية ناجعة ومفيدة من حيث المصطلحات الاجتماعية والسياسية، باتت متجاوزة بعد ثورات الربيع العربي 2011، فقد تحدت الثورات العربية الأسس النظرية التي كانت بمثابة الأساس الصلب لخطاب ما بعد الأسلمة، والذي حاجج بصورة يقينية حتمية عن فرضية تراجع الإسلاموية كبديل سياسي صالح، بفعل مسارات العولمة وتفتيت المقدس، وتحول حقل التجربة الفردية للإسلام على أساس منظومة عولمية جديدة تقوم على الدفاع عن الحقوق المدنية، والفصل بين المجالات السياسية والدينية.

كان أوليفيه روا قد استخدم مصطلح ما بعد الإسلاموية، إلى جانب أوليفييه كاريه عام 1991، على الرغم من اختلافهما حول الأهداف وفي وجهات النظر، فكاريه كان يعتقد أنه من القرن العاشر وحتى القرن التاسع عشر، قام كل من الاسلام الشيعي والسني بـ «فصل العالم السياسي ــ العسكري عن العالم الديني، سواء من الناحية النظرية أو العملية»؛ ويعرِّف كاريه تلك الفترة بأنها «ما بعد الأسلمة»، حيث جرى تجاوز هذا النوع من الإسلام في القرن العشرين بواسطة الحنبلية الجديدة، فنحن نشهد الآن عودة لعصر ما بعد الأسلمة، الذي يفهم على أنه عودة إلى العصر الكلاسيكي للإسلام .

وبحسب كاريه فإن مرحلة ما بعد الإسلاموية هي الخيار الوحيد الموجود لدى الفكر الاجتماعي والسياسي الإسلامي للهروب من الفخ الذي وجد نفسه فيه خلال العشرينات، فإسلام ما بعد الأسلمة قد يسهل العودة لتقاليد الإسلام العظيم الذي بدأ تراجعه في القرن الرابع عشر، وبحسب تعبير كاريه يبدو كما لو كان القرن 21 سوف يلد إسلام ما بعد الأسلمة الذي سوف يتبع مسار «التقليد العظيم « المنسي»

بالتزامن مع أطروحة كاريه قدم أوليفييه روا أطروحته الخاصة حول «فشل الإسلام السياسي»، باعتباره حقيقة تاريخية ناتجة عن الخطأ المنهجي للإسلام نفسه، فقد فشلت الحركات الإسلامية، عندما تواجهت مع الواقع (سواء كان ذلك في ممارسة السلطة السياسية في إيران، أم المعاناة من القمع على يد النظام المصري أو بإدامة حالة الأقلية المسلمة في أوروبا)، في تحقيق هدفها في نهاية المطاف المتعلق بإنشاء دولة إسلامية بسبب التناقضات الداخلية. وبدءاً من نهاية الثمانينات شهد العالم بدايات عصر جديد لما بعد الأسلمة للعالم المسلم المتسم باللجوء إلى الإسلام القومي أو القومية الاسلامية، أي اعتماد الدولة لإعادة أسلمة المجتمع وخسارة الإسلاميين لاحتكار الخطاب الديني.

تكاثرت الدراسات لاحقا التي سارت على خطى فرضية روا وكاريه، ومنها دراسة جيل كيبيل «الجهاد: انتشار وانحسار الإسلاموية»، ويخلص إلى أنه في ربيع عام 1997 كان هناك دليل على أن الإسلاميين يتطلعون إلى أن يخلفوا ورائهم المأزق السياسي الذي وجدوا أنفسهم فيه بعد فشل الأيديولوجية الإسلامية وتحالف الطبقة البرجوازية المتوسطة والشباب المحرومين، وبحسب كيبيل، كان هناك خطاب جديد قائم على الديمقراطية وحقوق الإنسان، بدأ يتشكل من اندونيسيا وصولاً إلى الجزائر.

أما آصف بيات فكان من أوائل الباحثين في اعتماده «ما بعد الإسلاموية» كأداة تحليلية، ففي كتابه «جعل الإسلام ديمقراطياً: الحركات الاجتماعية و التحول ما بعد الأسلمة» 2007 ، يوسع بيات تعريف ما بعد الإسلاموية باعتبارها «مشروعا» وليست «حالة» تقوم على محاولة واعية لوضع تصور واستراتيجية لمنطق وطرائق لتجاوز الإسلاموية في المجالات الاجتماعية والسياسية و الفكرية. فمرحلة ما بعد الإسلاموية بحسب بيات ليست معادية للإسلام ولا هي علمانية، بل تمثل محاولة لدمج التدين والحقوق، الإيمان والحريات، الإسلام والحرية، فهي محاولة لتحويل وقلب المبادئ الأساسية للإسلام رأسا على عقب بواسطة التأكيد على الحقوق بدلا من الواجبات، وعلى التعددية في مجال الصوت الفردي السلطوي، وعلى التاريخية بدلا من الكتاب المقدس الثابت، وعلى المستقبل بدلا من الماضي.

كان راينهارت شولز أحد اللذين حذروا من المخاطر المعرفية الضمنية في الاعتماد على فكرة محددة لما بعد الإسلاموية، ذلك إن خطاب ما بعد الأسلمة متعدد الوظائف، فهو يفترض وجود الحاجة للعب أدوار عامة مختلفة سياسية، اجتماعية وثقافية، دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود إيديولوجية ثابتة. ولأنها تنأى بنفسها عن مثل هذا الموقف الإيديولوجي، فإن مهمة ما بعد الإسلاموية تشذ عن التفسير الشامل للعالم لصالح تفسير مختلف أكثر تحديدا لميادين الحياةـ إذ تشير كلمة «ما بعد» إلى تحلل الصفة الوظيفية الأحادية للخطاب الإسلامي عندما مواجهته ضغوط العولمة، لاستمرار وجود نموذج إسلامي يعيد انتاج شكل من أشكال الهوية التي ترسخ الروابط مع الدولة والجماعات والأفراد داخلها، ففي نهاية المطاف، الإسلام يفقد وظيفته التعبيرية، كما يفقد دوره الثوري، في حين يبقى على حساب إعادة بناء الدولة القومية.

على الرغم من وجود اختلاف ظاهر بين أنصار مقاربة مرحلة ما بعد الإسلاموية، والمقاربة الاستشراقية للإسلام، إلا أنها لا تخلو من الأثر الاستشراقي، ومع ذلك فإن الانتقادات لم تنقطع من طرف الاستشراق الجديد، وهو مشبع بالجوهرانية والسكونية الأثيرة للمؤسسة الاستشراقية القديمة، فالأكاديميين ذوي وجهات النظر الليبرالية القديمة الذين ينكرون تماماً وجود حركات مرحلة ما بعد الأسلمة، أمثال بسام الطيبي ينحازون إلى الفهم الاخلاقي بدلا من الفهم العملي لتحول ما بعد الأسلمة. فبحسب الطيبي، لقد أجل حزب «العدالة والتنمية» هدفه المتمثل في ترسيخ أجندته الإسلامية فحسب، لكنه لم يتخل عن هدفه، فهي مجرد مسألة تكتيكات والتفاف خطابي لا ينطوي على تبني مخلص للتعددية الديمقراطية.

جادل فرانسوا بورغا منذ فترة بعيدة حول خطل وخطأ فرضية فشل الإسلام السياسي، وأكد على استمرار ثبات ثلاثة عوامل ذات صلة، وهي: أولا: أسباب اجتماعية سياسية أدت إلى صعود الإسلاموية في المقام الأول؛ وثانيا: قدرة الخطاب الاسلامي حول الحداثة لتعبئة جمهوره بمصطلحات داخلية ذاتية، وثالثا: التلاعب الذي تمارسه أنظمة مختلفة بخصوص التهديد الإسلامي.

في ذات السياق عمل آلان روسيون على تفكيك الأشكال الجديدة للاستشراق في إطار ما بعد الإسلاموية، إذ يشكك روسيون في الباحثين السياسيين الفرنسيين المتخصصين في دراسة الإسلام، ويحذر من «الثقافات الفطرية» التي نجدها في تحليل ما يسمى بالأجندة السياسية لمرحلة ما بعد الأسلمة، ويعتقد روسيون أن أولئك الذين يجادلون لصالح فشل الإسلاموية أمثال جيل كيبيل وأوليفييه روا يعملون بظل نفس المنطق المشوه الذي كان قد أدى بهم في السابق إلى تعليق أهمية مفرطة على تحليل الواقع السياسي العربي ــ الإسلامي بالمصطلحات الاسلامية، فكيبيل وروا يعتقدون أن الإسلام يحدد أي شيء وكل شيء يدور في المجتمعات المسلمة.

على الرغم من تعثر مسار الثورات الشعبية العربية، وعمليات التحول الديمقراطي، إلا أنها برهنت على ضعف المقاربات النظرية المتعلقة بالإسلام عموما، والحركات الإسلامية خصوصا، كما برهنت على بؤس الدكتاتوية وخياراتها المدمرة، وأن الشعوب العربية ومنظومتها القيمية التاريخية تنشد الحرية والديمقراطية والكرامة الإنسانية باعتبارها قيم كونية لا يمكن أن تحتكرها الإمبرياليات العسكرية والثقافية.

المصدر : الرأي الأردنية 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى