منوعات

فنلندا تستقبل السوريين بالموسيقى والألوان

بعيدا عن مشاعر الضجر بالغرباء، نظمت جمعيات خيرية فنلندية حفلات موسيقية وفلكلورية احتفاء باللاجئين السوريين، فيما تقيم البلديات برامج تثقيفية ودورات مكثفة في اللغة لمساعدة الوافدين الجدد على التأقلم مع قيم المجتمع وقوانينه.

ينظر إليك راكان قندقجي بابتسامة ولكن في أي لحظة يمكن أن ينهار بالبكاء.

لم يمض على إقامته في فنلندا سوى تسعة أشهر، لكنه قرر أن يرسم بداية جديدة له ولأفراد أسرته، فلم تعد أصوات الطائرات والصواريخ وشبح القتل والدمار أمرا محتوما في حياتهم.

كانت فترة الانتظار في بلدة دير عمار في طرابلس بلبنان طويلة وصعبة. مرت عدة أشهر قبل أن تتلقى العائلة ببهجة قرار المفوضية العليا باختيارهم إلى فنلندا التي سوف تستقبل العام الحالي ما مجمله 650 لاجئا سوريا وفق نظام الحصص.

يروي رب الأسرة المؤلفة من ستة أفراد تفاصيل المعاناة التي عايشوها قبل مغادرة منزلهم في حي بني السباعي في مدينة حمص التي بقيت محاصرة مدة سنتين تقريبا.

وقال في حديث للجزيرة نت “واجهتنا أوضاع صعبة للغاية، فقد سجنت لفترة، ثم مكثنا بعدها في قبو صغير، وروّعتنا الأعمال الوحشية التي يقترفها النظام، وفقدت اثنين من أشقائي، استشهد الأول في بدايات الثورة فيما قضى أخي الآخر جراء التعذيب”.

ويضيف أن مشاهد القتل والقصف والدمار رسخت في ذهنه، “لكن عودة أولادي إلى المدرسة بعد انقطاع طويل جعلنا نشعر بشيء من الارتياح”.

ورحبت جمعيات فنلندية -بينها مجموعة معونة الكنائس اللوثرية بدعم من مكاتب الشؤون الاجتماعية والصحة- براكان وأسرته ولاجئين سوريين آخرين، من خلال تنظيم مخيمات في المنتجعات على ضفاف البحيرات للاستمتاع بموسم الصيف، تساهم في التقليل من بعض التحديات الصعبة التي تواجههم في المجتمع الجديد.

وتأتي هذه الخطوة بينما تشهد فنلندا موجة غير مسبوقة من المظاهرات ضد العنصرية على خلفية تصريحات معادية للمهاجرين ولقوانين الهجرة، أطلقها أحد البرلمانيين من حزب أقصى اليمين وأشعلت مواقع التواصل الاجتماعي.

 

بدوره، أشاد قاسم شامي أحد المشاركين مع أسرته في المخيم في حديث للجزيرة نت بأسلوب المعاملة الجيد الذي لمسه لدى الفنلنديين.

وينحدر شامي من ريف دمشق، ولم يمض على إقامته في فنلندا سوى ثلاثة أشهر، لكنه يقول إنه يشيد بحسن المعاملة قائلا “أصبح لعائلتي الحق بالاستفادة من الخدمات الأساسية كالمعونة الاجتماعية والتعليم والصحة”.

وأعد منظمو المخيمات مجموعة واسعة من الأنشطة الترفيهية بينها الألوان والموسيقى لعلها تداوي جروح هؤلاء اللاجئين العميقة التي خلفتها ويلات الحرب.

وشملت الأنشطة حفلات موسيقية وألعابا رياضية بالإضافة إلى حلقات نقاش حول خصائص الوطن الجديد وعادات شعبه وتقاليده، وكذلك لقاءات تعارف مع مجتمعهم المحلي لمساعداتهم على الاندماج بطريقة أسهل.

وفي إحدى الفعاليات، قدم اللاجئون أنفسهم معرضاً لرسومات بمشاركة الأطفال عكست في جزء منها معاناتهم أثناء الحرب، وكان لها الوقع الأكبر في نفوس الحاضرين.

وأتيحت الفرصة للعديد من العائلات لإعداد وجبات الطعام لا سيما شواء اللحوم الحلال والمأكولات العربية المتنوعة، مما أضفى نكهة سورية لكن بطعم الحنين لأهل وأقارب لا زالوا قابعين تحت النار في وطن ممزق.

 

وتحث الحكومة الفنلندية البلديات على استقبال المزيد من اللاجئين، والتي تشرف بدورها -بالتنسيق مع مكاتب شؤون العمل- على تدريب هؤلاء عبر تعليمهم اللغة وإشراكهم في حصص خاصة بالثقافة والعادات الفنلندية.

مسؤولة قسم إعادة التوطين في دائرة الهجرة، أنّي بالتا، أوضحت أن غالبية القادمين عائلات صغيرة نصفها من الأطفال فيما تتراوح أعمار الأهالي بين 25 و35 عاما. وقالت للجزيرة نت إن اللاجئين الذين تم قبولهم ضمن برنامج الحصص يشاركون قبل مغادرتهم في دورات توجيهية بإشراف فريق متخصص من معلمين ومترجمين، حيث يتلقون معلومات أساسية ودروسا مكثفة في اللغة.

من جانبه، يشير الخبير في قضايا اللجوء في جامعة هلسنكي، أوستن واهلبيك، إلى أن أعداد اللاجئين السوريين في فنلندا ضئيلة مقارنة مع بلدان أوروبية أخرى، رغم أن فنلندا تتمتع ببرنامج راسخ وعصري لإعادة التوطين.

وعبّر -في تصريح للجزيرة نت- عن قلقه من النقاشات الواسعة التي تثار حالياً حول إيجاد حلول قصيرة المدى أو مؤقتة لوضع اللاجئين السوريين على وجه الخصوص.

وطالب الحكومة الفنلندية بمنح اللاجئين السوريين الوضع القانوني الكامل لما له من أهمية في تمكينهم من استخدام كل نظم الرعاية الاجتماعية.

المصدر : الجزيرة

زر الذهاب إلى الأعلى