مقالات

شفيق ناظم الغبرا – عام على أزمة الخليج

عندما وقع التصعيد المفاجئ ضد قطر، كنت أمضي في المركز العربي للأبحاث في الدوحة فترة تفرغ علمي. لكني فوجئت عندما بدأ التصعيد الإعلامي في 24 أيار/مايو 2017 ثم صدمت بصورة أوضح عند إعلان الحصار والمقــاطعة الموجـهـة ضد قطر في 5 حزيران/يونيو/يونيو 2017. لم أكن أتوقع ان تصل الأمور بين أي من دول الخليج لهذا الوضع. وظللت أتساءل منذ الســـاعات الأولى للأزمة: ما الذي يؤدي بين يوم وليلة لقلب كل الموازين بين دول صــار لها منذ ثمـانينيات القرن العشرين تجتمع وتتحدث عن الوحدة الخليجية وتفتح لبعضها البعض الأسواق، كما وتتحدث عن التجارة الحرة وروح الأسرة الخليجية الواحدة؟

وتساءلت بالوقت نفسه عن إضرار الأزمة منذ ساعاتها الأولى بمصالح المواطنين، فقد أمرت دول الحصار كل مواطنيها الخروج من قطرن وفرضت على كل القطريين المتواجدين على أراضيها مهلا محددة لا تتجاوز الساعات للخروج من السعودية والإمارات والبحرين. تم هذا بلا تقدير لظروف الناس وأعمالهم وتجارتهم وعلاقاتهم الأسرية أو دراساتهم الجامعية. لقد تم تعطيل مصالح المواطنين وأوقفت التعاملات البنكية والتجارة والإنتقال بلا أدنى قيمة للمواطن وحقوقه. هذه الأزمات كاشفة لمدى تردي مستوى التعامل الحضاري والإنساني في منطقتنا وذلك عند مقارنتها بمناطق أخرى في العالم (نموذج خلاف بريطانيا مع أوروبا حول الخروج من الوحدة الأوروبية). 

في الساعات الأولى للأزمة استعدت في رأسي مشهد مصافحة الرؤساء والقادة بعضهم البعض في الرياض في 20 أيار/مايو 2017. تذكرت أن الأمير تميم كان في السعودية قبل أيام في ظل المؤتمر الذي حضره الرئيس الأمريكي ترامب، وتذكرت أن الملك سلمان كان في الدوحة قبل ذلك ببضعة شهور، نظرت للاقتصاد اذ أن التبادل التجاري بين هذه الدول كبير، كما أنها تقاتل في جبهة واحدة في اليمن وتتعاون في سوريا وتسعى ضد الإرهاب و»داعش» في العراق.

لم أشعر في اليوم الأول والثاني للأزمة بالاطمئنان، لهذا لم أطمئن إلا عندما تحرك الشيخ صباح الأحمد الصباح أمير الكويت. فهذا التحرك السريع أعطاني حالة إطمئنان، قلت لنفسي: على الأقل لن يقع شيء عسكري (رغم قلقي من هذا الاحتمال) طالما يتحرك الشيخ صباح بين الدول المحاصرة وبين الدوحة. قلت لنفسي: هناك على الأقل في الأزمة من يقف خارجها ويسعى لتهدئتها، لقد سبق للكويت أن جربت الأزمات، كما أنها عـانت من أخـطـرها في 2 اب/اغسطس 1990.

لكني شعرت أيضا منذ بداية الأزمة بتلك اللعنة التي تلاحقنا بسبب إنكشافنا كعرب لكل مغامر في الغرب الأمريكي. فزيارة ترامب للمملكة في مؤتمر الرياض وعلاقة عائلته وزوج ابنته بإسرائيل وتصريحات ترامب في الأيام الأولى للأزمة بهدف إضافة مزيد من الاشتعال على عناصرها جروا منطقتنا للعنة.

وما أن حل مساء الاربعاء 7 حزيران/يونيو 2017 إلا وقرر البرلمان التركي إرسال قوات وأسراب طيران لقطر. هذا الوضع قلب المعادلة لأنه وضع قوة تركية في قلب أمن منطقة الخليج. هذا يعني أن منطقة الخليج التي تعرف بأنها منطقة نفوذ أمريكي وقبلها بريطاني لم تعد تحت تأثير ذلك النفوذ بالكامل. للولايات المتحدة بطبيعة الحال قاعدة للطيران متقدمة وكبيرة في قطر، لكن قطر بسبب حصارها بدأت تبحث عن توازنات أخرى إضافة للخيار الأمريكي، وفي هذا أكبر تراجع للنفوذ الأمريكي في الإقليم. 

لقد ميز هذه الأزمة عن غيرها من الأزمات أنها وقعت في منطقة استراتيجية (نفط وغاز) تسيطر على أمنها الولايات المتحدة من خلال قواعد عسكرية، لكن دول الخليج الست محاطة بحروب مشتعلة (اليمن والعراق وسوريا مثلا) كما ومحاطة بدول إقليمية قوية كإيران وتركيا.

ومنذ بداية الأزمة في الخامس من حزيران/يونيو 2017 اكتشفت الدول التي تحاصر قطر «Blocade» انها يجب أن تقنع العالم بالاتهامات التي وجهتها للدوحة. فلا العالم اقتنع بالتهم حول الإرهاب ولا تقبل فكرة أن محطة فضائية كـ»الجزيرة» خطر إرهابي ولا الشعوب العربية والخليجية استساغت الحصار، ولا الولايات المتحدة أجمعت على دعم هذه السياسة دون تلك، فقد جاء وزير الخارجية تيلرسون ووقع مع الدوحة اتفاقا حول الإرهاب، بينما المؤسسة الدفاعية الأمريكية أتمت عقدا مع الدوحة لطائرات مقاتلة. هذه تناقضات أوضحت مدى الارتجاج في السياسة الأمريكية نسبة للخلافات بين البيت الأبيض وبين الكثير من الأجهزة والمؤسسات الأمريكية في التعامل مع الأزمة. 

أما التداعيات ضمن مجلس التعاون فكانت كبيرة. لقد أسهم الموقف العماني المحايد في الأزمة في بناء حالة من التوازن في مجلس التعاون الخليجي، أما الكويت فهي الأخرى بدأت تشعر بأن العمق الاستراتيجي الذي حدد سياساتها ومنذ عام 1990 والذي يقوم على مجلس التعاون قد تغير وتعدل. هكذا لأول مرة بدأت الكويت تكتشف أن العمق الاستراتيجي كمبدأ اختلف وان عليها ان تبحث عن تحالفات جديدة في أوروبا وفي تركيا وان تسعى ما تستطيع لتحيد إيران على الأقل في منطقة الخليج. وقد عرضت إيران منذ بداية الأزمة إمدادات الغذاء وفتحت طرق الطيران.

إن مجرد إشارة أمير دولة الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح في مؤتمره الصحافي الهام في البيت الأبيض في السابع من أيلول/سبتمبر 2017 إلى نجاح الوساطة في تفادي عمل عسكري يستهدف قطر يثير المخاوف حول أمن الشعوب وأمن الإقليم. كما إن انفجار الأزمة، كما أكد الشيخ صباح الأحمد الصباح أمير دولة الكويت في مؤتمره الصحافي بلا وجود مؤشرات للتوتر في قمة الرياض في 20 أيار/مايو 2017 هو الآخر يخيف كل مواطن. وهذا يعني في التطبيق العملي عدم قدرة الدول في منطقة الخليج في المرحلة المقبلة على الإطمئنان تجاه بعضها البعض، هذه الاشكالية اسقطت الأمن الخليجي بالكامل وفتحت الباب لتوازنات جديدة. 

في هذه الأزمة تبين أن مجلس التعاون لا مستقبل له بلا آليات قانونية لحل النزاعات، وبلا آليات ديمقراطية ومشاركة شعبية وحريات. وبغياب هذه الأبعاد لن يبقى مجلس التعاون وحدة واحدة، بل سيكون مصيره مصير الجامعة العربية. فبطبيعة الحال تؤدي السيطرة الأمنية والاستقواء والتفرد بالقرار، وتسليم المثقفين النقديين بين الدول استنادا إلى القوة والحجم لمزيد من التفكك وتراجع الثقة المتبادلة. 

لقد صمدت قطر في هذه الأزمة، إذ اختبرت حالة وطنية جديدة تتجاوز تركيبتها العائلية والقبلية، بل شرعت الأزمة بصورة واضحة وجلية من شرعية الأمير الشاب الأمير تميم بن حمد الثاني. ومن نتائج الأزمة قطريا انها دفعت بعشرات القطريين نحو واجهة تمثيل بلدهم والتحدث عبر وسائل الإعلام بلغة متزنة عكست حالة صمود. هذا بحد ذاته مثل تغيرا في مجتمع يعرف عنه التمنع عن مخاطبة وسائل الإعلام. بل يصح القول بأن القطريين قلما شاهدوا «الجزيرة» إذ اعتبروها خاصة بالفلسطينيين واللبنانيين والمصريين والإسلاميين، وإذا بالجزيرة قوة لهم من خــلال مشاركة عناصر قطرية وطنية في شرح وجهة نظر بلادهم.

ويشكل اكتساب النظام القطري زخما وشرعية مضاعفة فرصة لتطوير هادئ للنظام بإتجاه أكثر دستورية، فالدستور القطري يقر بانتخابات لمجلس تشريعي يساءل الحكومة. أن بناء الدولة الدستورية وتوسعة هامش المسائلة عبر مؤسسات دستورية سيشكل في ظل سيناريوات استمرار الحصار لفترة غير معلومة الأساس للوحدة الوطنية.

ان حل الأزمة ممكن، وقد يقع على مراحل تتعلق أولا بالمواطنين والمواطنات من جميع الدول. بل لم يكن بالأساس من المنطقي توريط المدنيين في أي من أبعاد الأزمة. إن التقدم الأعمق على طريق الحل يتطلب أن يعتاد الخليج على الفردية القطرية كما اعتاد على الفردية العمانية والكويتية والإماراتية. وحتى الإمارات، استطاعت في السابق أن تضع فيتو على مسألة العملة الخليجية لخلاف حول مقر العملة. سلطنة عمان منذ ثلاثة أعوام كانت عراب المفاوضات الإيرانية ـ الأمريكية.

المقصود أن من الطبيعي ان تختلف الدول وأن يكون لدى كل منها توجهات تميزها عن غيرها، ولا ضرر من وجود محطة «الجزيرة» وتحاليلها ولا ضير للنظام العربي من وجود نقاد له حول حقوق الإنسان والحريات، ولا ضير من السماح بحرية الرأي كما هو واقع في كتل كبيرة من دول العالم. الأفضل لنا في هذه المنطقة الاستماع للصوت الآخر والصوت النقدي من أينما جاء ومهما كان متناقضا، فهو لا يؤثر على الأمن، بل يسهم في إنضاج النقاش وربما يمهد للانفتاح السياسي كما الإعلامي والديمقراطي الذي نحن أحوج ما نكون إليه في إقليمنا المنكوب.

المصدر : القدس العربي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى