مضى على بداية الثورات العربية التي اشتعلت في تونس أربعة أعوام ونصف، مرت علينا بكثير من الآلام والتضحيات التي دفعها أبناء الشعوب الثائرة وجيرانهم، فالثورة على الظلم لم ولن تكون نزهة في يوم من الأيام.
يعلم الجميع أن الثورات انطلقت سلمية ثم تحول بعضها للعمل العسكري المسلح فيما حافظ آخرون على الكفاح السلمي، وكلا الطريقين لم يجدا سبيلًا للنصر حتى اللحظة، وبالرغم من أن المشهد الحالي هو سوداويٌّ بامتياز إلا أني أراه ضروريًا للوصول إلى التحرر الحقيقي والكامل.
ولكن السؤال الذي أبحث عن إجابته منذ فترة، هو ما الذي تغير في عقولنا خلال الفترة الماضية، وما الذي يجب أن يتغير ولم يتغير حتى اللحظة؟! ولماذا لا نفكر بطريقةٍ أخرى؟!
الإجابة على هذا السؤال فلسفية طويلة، سأحاول أن أختصرها وأوضحها من خلال سرد لتفكير من نظرة مختلفة عن معظم التحليلات اللحظية التي واكبت الثورات.
– الشعوب العربية لا يمكن أن تتحرر واحدة دون أخرى
أثبتت الثورات العربية أن الشعوب العربية بحاجة لبعضها وأن توحدها حاجةٌ ملحة، ولا يمكن إهمال هذا الجانب أبدًا، وأتحدث عن وحدة العمل والتنسيق والاستراتيجيات وليست الوحدة الجغرافية بالضرورة، فلو قسنا على ما حدث حتى هذه اللحظة مثلًا، لوجدنا أن غزة تضررت كثيرًا بسبب ضعف الثورة المصرية والانقلاب عليها، كما أن الانقلاب في مصر فتح الأبواب لأنصار القذافي للعمل والحركة في ليبيا من جديد برعاية عربية تتمثل بمحور الثورات المضادة.
على الناحية الأخرى ساهم الضعف الحاصل في الثورة السورية والذي تسبب به تفتت قوة المعارضة بعد دخول تنظيم داعش على الخط إلى إضعاف روح الثورة العربية بشكلٍ عام، كما كان لها الأثر السلبي على الحراكات الشعبية في الدول المجاورة، حيث استطاعت الأنظمة العربية تسويق نموذج الحرب في سوريا كنموذج بديل في حال تمدد الثورات إلى بلدانهم.
معظم التحليلات والمقالات التي كُتِبَت لم تطرح هذا الملف، والأمر يعود في رأيي إلى أن المحللين السياسيين المؤيدين للثورات، لا يريدون المغامرة بطرح فكرة إنهاء الدولة “ما بعد الاستعمارية”، إما لأن استشراف المستقبل ضمن الدوامة السياسية هو أمرٌ صعب، أو لأن عقلية النخب العربية لم تتغير حتى اللحظة، وما زالت تعاني آثار الصدمة الأولى عندما نزلت الجماهير إلى الشوارع.
شخصيًا لستُ أرى أي مستقبلٍ للثورات، وبشكل متطرف وكذلك للشعوب دون إنهاء الحالة الاستعمارية التي جاءت مع اتفاقية سايكس بيكو. كان مثيرًا للضحك أن يقول القائل قبل سنوات أن الأنظمة سوف تتساقط وأن الشعوب ستصحو من نومها، وأنها ستسعى للنهضة والتحرير مجددًا.
استطاعت الأنظمة وخلال سنتين من بداية الثورات أن تتصور الحلول اللازمة لإجهاض الثورات والعمل على تحجيمها، فيما لم تتمكن قوى المعارضة والثورة والتحرر حتى اللحظة من وضع تصور شامل للثورات العربية ومصيرها، وهنا مكمن الخطر حيث أن المسلحين ومعظمهم لم يكمل تعليمه ولم يدخل المعترك السياسي فضلًا عن التخطيط ورسم الاستراتيجيات هم الذين يريدون أن يحددوا شكل المنطقة القادم، بعيدًا عن الخبراء، الأمر الذي يفتح الباب مشرعًا للغرب للدخول عبر هؤلاء وتطبيق نظرياتهم الجديدة.
عند الغرب والأمريكيين خصوصًا عدة تصورات عن الخرائط التي يمكن أن يشكل الوطن العربي على أساسها وهي في غالبها قديمة نوعًا ما ولكنها استشرافية، وبعضها يصلح أن يتم الآن، وأشهر هذه الدراسات والتصورات هما نظريتا حدود الدم والشرق الأوسط الكبير.
لستُ معنيًّا في الحديث حول المؤامرة، ولكن التذكير بأنها تصورات موجودة ويصلح تطبيقها، كما أن هناك تصورات سابقة قد طُبِّقت في المنطقة.
إذن الثورات العربية بين فكي كماشة مستقبلًا، فهي بين محددات الدولة “ما بعد الاستعمارية” والتي تحد من الحركة والعمل العربي الشعبوي المشترك حتى من ناحية التخطيط، وبين المخططات المرسومة للمنطقة في حال احتاج الأمر أن يتم تشكيلها بطريقة أخرى لضمان أمان الاحتلال ومصالح الدول الغربية في المنطقة.
الثورات بحاجة إلى دراسات شاملة وافية، تضع تصورات لشكل المنطقة الجديد، تأخذ فيها بعين الاعتبار الدراسات الغربية المنشورة على الأقل والسيناريوهات المتوقعة للخروج بحلول وتحركات جديدة.
– التنظيمات العابرة للحدود وأهميتها للثورات
يقول الأديب الثوري الفرنسي جول فاليس: “لم أكن أريد أن تتلطخ ثورتنا بالدماء. ولكن ما العمل؟ والثورة، كل ثورة، لا يمكنها أن تخلو من الصدام المسلح”.
لا يزال بعض المصدومين من المظاهرات المليونية عاجزين عن إدراك أهمية الدينامية التي يجب أن تتمتع بها العقلية الثورية، كما أنهم غير قادرين على فهم أن الكثير من الأنظمة يصعب التعامل معها بالورود ومحبة السلام والأحلام التي ليس لها مكان في هذه البقعة الدموية من العالم.
أحتاج لأن أطرح تجربة الحسم العسكري الذي قامت به المقاومة الفلسطينية في غزة والذي قام به ثوار ليبيا في ثورتهم، فكلا النموذجين مهم، ومع أنه لم يُستكمل بسبب الظروف المحيطة وبسبب أن الأمة لا يمكن أن تتحرر قطعة قطعة وإنما يجب أن تتحرر بشكل كليّ، إلا أن النموذجين واقعيين، لا يوجد فيهما مجال لمناقشة الأحلام الوردية في غير موعدها، ولا يوجد فيهما مجال لطرح نظرية الحرب المفتوحة التي يخوضها تنظيم داعش ضد عدة أطراف وبعلاقات براغماتية مع أطراف أخرى.
إذا اقتنعنا بضرورة هدم الدولة “ما بعد الاستعمارية”، واقتنعنا كذلك بأهمية الحسم العسكري للأمور على صعوبته، وبالرغم من أن الشعوب تتمنى غير ذات الشوكة، كي تخرج بأقل الخسائر، فإننا هنا معنيون بالحديث والاعتماد على التنظيمات العابرة للحدود.
لا يحتاج المراقب للحياة السياسية إلى كثير من الجهد ليكتشف حجم الفشل الذي منيت به الأحزاب والجماعات التي تتماشى والمناهج الهوياتية القطرية الضيقة، في حين أن النماذج العابرة للحدود والأقطار هي الأكثر شيوعًا وانتشارًا على المستوى الشعبي رغم جنون بعضها وإجرامه، ورغم أنها لم تستكمل متطلبات نجاحها وإقامتها لمشاريع بديلة عن الدول “ما بعد الاستعمارية”.
لدينا حتى اللحظة ثلاثة تنظيمات كبيرة، وهي جماعة الإخوان المسلمين وتنظيم القاعدة وابنها العاق تنظيم داعش، إذا ما استبعدنا تنظيم داعش بسبب تبنيه مشاريع لا تخدم الثورات ولا أهداف الشعوب يبقى أمامنا الإخوان والقاعدة، وكلا الخيارين يصعب الاعتماد عليهما لعدة أسباب أجمِلها كالتالي:
1- يصعب التعاون مع تنظيم القاعدة في الحقيقة والسبب أنه يحمل فكراً صلبًا، كما أنه ليس مستعدًا للحوار ومحاولة البحث عن نقاط مشتركة خارج ميدان الغرف العسكرية المشتركة.
2- الخلل الموجود عند القاعدة في النقطة السابقة يمكن تجاوزه مع جماعة الإخوان المسلمين، إلا أن الإخوان وقعوا في ذات الفخ الذي وقعت به النخبة العربية، حيث أنها لم تبحث عن حلول أخرى ومخارج أخرى للعمل، واكتفت بالعمل السلمي، ومع أن اللاعنف هي نظرية وحرب لها أدواتها إلا إنها لم تنفع حتى اللحظة.
3- الحل يكمن في تنظيم لديه القدرة على الحركة والمناورة عسكريًا كما تنظيم القاعدة وكما حركة حماس وكما ثوار ليبيا وجزء من ثوار سوريا، إلا أنه بحاجة للجناح الثاني وهو القدرة على الحوار والتشارك مع أطياف الثورة العربية، والذي سيساهم في الحفاظ على مصطلح “الجهاد” خاليًا من الشوائب والتشويه، وهو كما يطرحه الدكتور محمد مختار الشنقيطي تحت عنوان “الجهاد على بصيرة”.
– التحديات التي ستواجه هكذا تنظيمات عند تحركها
أول التحديات هو صعوبة إقناع العقل الجمعي العربي بضرورة التحرك بعيدًا عن القيود السياسية الاستعمارية السابقة، حيث أنهم سيتهمون بالخيانة والعمالة، ومحاولة تقسيم البلاد العربية المقسمة أصلًا وغيرها من التهم المعروفة.
كما سيواجهون تحديات التسليح وضآلته بجانب التسليح النوعي للأنظمة وللتنظيمات المعادية على شاكلة داعش، ما قد يساهم في زيادة التغرير بالشباب ليلتحقوا بتلك التنظيمات.
ولكن أبرز تحد سيكون برأيي هو التراجع عن الحرب والثورة بشكل واقعي والذهاب لحلول وسط، وهذا سينهي الثورات، وسيمكن للثورات المضادة من الأرض، ما يجعل حلم التحرر حلمًا مستحيلًا خلال الفترة القادمة.
في الختام أريد أن أبرز عدة ملاحظات:
1- إسقاط الأنظمة هو الخطوة الأولى في التغيير، حيث سيبقى أمام الشعوب العمل والبناء من جديد، وهنا لا بد بالتذكير بتجربة الثورة الفرنسية التي لحقتها حرب أهلية استمرت ثمان سنوات، ساهمت بشكل أو بآخر ببناء فرنسا الحديثة، فيما نتذكر رومانيا التي اختار شعبها الحل الوسط وما وصلت إليه البلاد بعد سنوات من الثورة.
2- الثورات العربية هي أطهر الأفكار في هذا الزمن العفن، وما فعلته الشعوب والنخب بها من إهمال وتخاذل وسوء تقدير لا يعني أنها سيئة، لا بد من هذه الثورات، والدماء التي تسيل الآن هي التي ستغسل عن الشعوب الظلم والألم الذي لحق بها خلال عقود، والأمر يحتاج لعمل وتضحية، فلا يظنن أحد منكم أن الثورة لعبٌ ولهوٌ، وإنما هي حياة فيها الهم والكد والتعب.
3- لا أعلم كيف يمكن أن تتوجه الشعوب العربية لتحرير المسجد الأقصى في ظل وجود أنظمة شبيهة بنظام الأسد ونظام السيسي.
4- فكروا خارج الصندوق، هذا التصور قد يكون مليئًا بالأخطاء، ولكن الشعوب تحتاج لغير ما هو موجود في السوق.
المصدر : ساسة بوست