ربما من الصعب أن تُحصى المجازر في هذه البلد ، ومن الأصعب علينا أن ننساها ، فكل مجزرة تحكي عن أختها بطريقة لا ندري كيف تمكنت من قصّها علينا ، فهي تحكي بلغة الدم والسكين والبارود والنار .
يمرُ في مخيلة كل واحدٍ منا مشهد الجثث الملقاة على أرض الغوطتين ، بدون دم ، وبدون حراك ، ومن غير نَفَسْ ، كأنهم نيام في عالم نَاَمَ فيه الضمير نومة لا فواق منها بعد أول شهيد سقط في درعا ، ثم لحقه مئات الآلاف.
قبل 730 يوم في الحادي والعشرين من شهر آب/ أغسطس عام 2013 كنا نعيش حالة اختناق جماعي ، حيث أُلقي من على جبل قاسيون ابن دمشق صواريخ أرض أرض تحمل رؤوس كيماوية سقطت على الغوطة الشرقية ريحانة دمشق وخزانها البشري والحضاري ، وألقي من سفوح الفرقة الرابعة فوق معضمية الشام صواريخ مشابهة إلى الغوطة الغربية خاصرة الشام .
تقف الحروف عاجزة ، ولا يرتشف أي قلم في وصف ما حدث. يومها اغتال المجرمون بدون دم الآلاف من الأطفال والنساء والعجزة والرجال والحيوانات والأشجار ، بغاز السارين ، الذي يرفع الأوكسجين ويحلُ محله ساماً ، يعتبر غاز السارين من أسلحة الدمار الشامل والمحرم دولياً ، ومع ذلك استخدمت الكثير من الدول عبر التاريخ الأسلحة الكيماوية في حروبها ضد الشعوب مثل ألمانيا وأمريكا والاتحاد السوفيتي وفرنسا وبريطانيا وإيطاليا واليابان وغيرها من دول العالم الحر اليوم ، واستخدمته العصابة الأسدية في حربها ضد الشعب السوري ، والتي تعمل على إبادته بكل أنواع السلاح.
وقريباً من حصار الجوع في الغوطتين ، وغياب أي شكل من أشكال الحياة فلا خبز ولا ماء ولا دواء ولا كهرباء ولا تعليم مع توفر كل أنواع الموت والعذاب ، أتى غاز السارين ليحصد المزيد من الشهداء في سويعات قليلة ثم تبخر كما تبخرت أرواح الأطفال من أجسادهن المثقلة بزبد السُم ، سُم السارين ، وسُم حقوق الإنسان.
يومها تنفس أطفال الغوطتين الموت ، وتنفس العالم كله العار ، ومنعت الأمهات الثكالى من تقبيل أطفالهن المخنوقين حتى لا يصبن بالغاز فكن مقتولاتٍ بغم الوداع البعيد . واصطف الشهداء كما تصطف الملائكة ، ببياض الكفن ، ونور الرحيل ، وبرحلة جماعية إلى السماء غادروا البلد المظلوم.
لم يغب الشهداء عن بالنا يوماً ، ولكن العدالة غابت في كل الأيام ، وأوجد العالم معاييراً جديدة لتحقيق العدالة من وجهة نظرهم ، فألقوا القبض على السلاح الكيماوي وتركوا الفاعل ، بل واعتبروه مجهولاً ، ومنذ ذلك الوقت أصبح القاتل الذي يرفع مسدسه ويضرب رصاصات في رأس أي ضحية لا يقال له شيء ، على العكس بل يلقى القبض من الفور على سلاحه ، عدالة عالم الإنسانية والرفق بالحيوان وصاحب السلاح المعكوف الرأس في مالمو ، ومحكمة الجنايات الدولية في لاهاي ، وهيئة الأمم المتحدة في نيويورك .
وتبقى بندقية الثائرهي العدالة الوحيدة المتبقية على هذا الكوكب ، والتي وإن طال الزمن كفيلةٌ بقطف رأس المجرم الذي قتل وحرق ودمر وخنق وذبح وشرد وكوى قلوب السوريين ، وتستمر المجازر كل يوم ، وإن كان ألطفها ألماً هي مجزرة الكيماوي ، أمام دوي البراميل المتفجرة على رؤوس المدنيين ، و تطاير الأشلاء ، وتهدم الإنسان والعمران ، وها هي دوما عاصمة الغوطة التي قتلها سارين الأسد ، تُقتل بالصواريخ الفراغية الموجهة ، وما زال التنديد الدولي والقلق هو المانشيت العريض اليومي في مواجهة إرهاب الأسد وإجرامه وتدميره وقتله وسِفاحه .
وبعد 96 أسبوع من المجزرة الخانقة ، ما زال العالم يحارب الإرهاب ويبحث عن الإرهابيين ، ولم يلتفت يوماً إلى إرهابيٍ في المهاجرين و آخر في الضاحية الجنوبية وثالث في بغداد ورابع في قم ، يحاربون داعش بنسختها السنية وهناك ألف داعش شيعي وعلوي ومن كل مذهب لم ولن يقربوه.
وتبقى ذكرى المجزرة وصمة عار ما بعدها عار ، فصراخ أهل عربين وسقبا وكفر بطنا وجوبر وحمورية وداريا ومعضمية الشام ستلاحق المجرمين والساكتين عنهم باللعنات ما بقي على هذه الأرض حي واحد .
لشهداء المجزرة سلام الله ورحمته ، ولهم منا السلام ، والوعد بالاستمرار حتى لا يضيع زبدٌ أو دمٌ ضحوا به من أجل هذه البلد .
خاص لـ وطن إف أم