مقالات

محمد أبو رمان – عن الأيديولوجيا والأخلاق في التدخل الروسي

يعشّش في عقول شريحة واسعة من التيار اليساري العربي الحنين إلى الاتحاد السوفييتي وأيام الحرب الباردة، وتشاركهم، اليوم، نخبة القوميين المتبقية في هذا الوهم، وهم يهللون ويرحّبون بالتدخل الروسي في سورية، بوصفه استعادة لدور الاتحاد السوفييتي (سابقاً) في وجه ما يعتبرونه (أي الرفاق اليساريون) مؤامرة إمبريالية أميركية- عربية ضد “نظام الممانعة” المتبقي!

إلى الآن، لا أفهم التبرير الأيديولوجي (بعيداً عن أي معنى أخلاقي غائب) في هذا التغني اليساري بالغارات الروسية، ولا أعرف ما الفرق بين الدورين، الأميركي (المفترض) والروسي، بعد أن انسلخ الروس من الأيديولوجيا الشيوعية، وأصبحوا أبناء السوق الحرة، فذلك لا يهم (لدى الرفاق). إذاً، لماذا لا نعتبر الغارات الروسية والقاعدة الجوية التي أنشئت في اللاذقية بمثابة احتلال أو مؤامرة أو تدخل عسكري خارجي ضد إرادة الشعب السوري، أو على الأقل في صراع داخلي. 

أي اعتبار أيديولوجي يقف وراء هذا الموقف اليساري العربي؟ هل هو الموقف من الإمبريالية الأميركية؟ ذلك، كما يدرك المراقبون غير صحيح، فالأميركيون يشتركون اليوم مع الروس في مواجهة عدو مشترك يعطونه، جميعاً، الأولوية على إسقاط بشار الأسد، هو تنظيم داعش، والطرفان، الروسي والإمبريالي الغربي، ينسقان معاً، مباشرةً وغير مباشرة، في شنّ الهجمات على التنظيم، ومعه، أحياناً أخرى، تنظيمات مثل جبهة النصرة وحركة أحرار الشام، فيما يتوسع الروس لضرب أي طرف من المعارضة، تحت يافطة “الحرب على الإرهاب”.

لا تنعكس الخلافات بين الروس والأميركيين على الميدان العسكري، فهي دبلوماسية وسياسية حول الموقف من دور بشار الأسد في المرحلة الانتقالية، أما عسكرياً فهما في خندق واحد في مواجهة أهداف مشتركة، بل أكثر من ذلك، فإنّ الطرفين يتفقان، تماماً، على حماية النظام السوري، وعلى الخشية من الفوضى مما يسمى “اليوم التالي للأسد”، وعلى عدم القبول بسيطرة الفصائل الإسلامية (معتدلة أو متطرفة) على النظام السوري.

عدم الاتفاق بين الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والأميركي باراك أوباما، فقط على الأسد. ما دون ذلك من ترتيبات حول مستقبل سورية والموقف من الإسلاميين، مساحة الاتفاق والاشتراك واسعة فيه، فلماذا إذاً يميّز الرفاق اليساريون والقوميون بين الدورين، الروسي والأميركي، فقط لأنّ هناك من لا يقبل بالأسد ومن يقبل به؟ في الواقع، نعم هذا هو الجواب الصحيح، ولو أعلن الأميركيون تأييدهم الأسد لوجدنا الرفاق قفزوا عن نظرية المؤامرة ومفاهيم الإمبريالية والهيمنة ورحبوا بالموقف الأميركي؛ وهذا ما حدث ضمنياً وجزئياً عندما أيّدوا جميعاً الغارات الغربية ضد تنظيم داعش، من دون طرح أي سؤال حول دعوى التدخل الخارجي، أو ما يحمله ذلك الموقف الغربي من نقد بنيوي عميق لادعائهم بأنّ هذا التنظيم أداة أميركية، وجزء من مؤامرة تستهدف وحدة الأراضي السورية.

لست هنا في صدد نقد مواقف التيار العريض من اليساريين والقوميين العرب، لكنها محاولة لطرح تساؤلات منطقية وأيديولوجية وأخلاقية في تفسير هذه المواقف؟ فمن مدخل الإمبريالية والمؤامرة، لا أجد تفسيراً لهذه المواقف المتناقضة؟ ومن مدخل وحدة الأراضي السورية، لا يمكن تبرير ذلك في ظل المؤشرات الصارخة على خطة (ب)، أو ما يطلق عليه “سورية المفيدة” (عملياً تعني التقسيم الجغرافي، الطائفي والسياسي)؟ ومن مدخل قومي، تم الترحيب بالهيمنة الإيرانية والتدخل الروسي، في حين لم يبق من النظام إلّا الأسد (على الورق فقط!)، لكنه بلا مضمون أو سلطة حقيقية، حتى في المفاوضات مع المعارضة، الأمر الذي أصبحت تقوم به إيران، بينما يقوم الروس بالمفاوضة مع الأميركيين.

تتجاوز أهمية هذه التساؤلات الموقف من النظام السوري، أو بشار الأسد، إلى فحص جوهر الأيديولوجيا المتناقضة المخادعة التي تحكم مواقف تيارات عريضة، تدّعي أنّها تؤمن بالديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة، وتتحدّث عنها صباح مساء، ثم هي مستعدة للتضحية بها، وبما هو أكثر منها، أي بالحقوق الأساسية والإنسانية البسيطة، مثل حق الحياة وتقرير المصير مقابل ماذا؟.. بقاء الأسد!

ليست تلك الشريحة من النخبة السياسية العربية والمثقفين معنية بمعاناة ملايين السوريين اللاجئين، بل صرّح أحد أولياء النظام السوري بما يتجاوز أي خطاب فاشي ممكن تجاه اللاجئين! كما لا تهتم، أي هذه الشريحة، فيما إذا كان الروس، اليوم، رأسماليين (مثل الأميركيين) والإيرانيون حكماً ثيوقراطياً دينياً (مثل الدول التي ينتقدونها)، فالمهم في نهاية اليوم بقاء الأسد.

لماذا؟ لوحدة الأراضي السورية ولإسقاط المؤامرة الغربية والعربية ومكافحة الإرهاب؟ أما وحدة الأراضي السورية، فلا يمكن لعاقل أن يتصوّر أن يقبل ملايين السوريين بمن قتلهم وشرّدهم وهدم البيوت فوق رؤوسهم؟ وأما إسقاط المؤامرة الغربية؟ فالغرب بشرقه وغربه يقف معه اليوم؟ وأمّا مكافحة الإرهاب؟ فليقدموا لنا تعريفاً لإرهاب الدولة والتنظيمات العابرة للحدود، لنتفق معاً على تعريف محدد لهذه الفزّاعة الغربية.

عمق التناقض وغياب الإدراك في قراءة اليساريين والقوميين الدور الروسي، اليوم، يتبدّى في مقارنتهم بين المستنقع الأفغاني والمشهد السوري، إذ نقرأ لنخبة منهم مقارنة الشروط والفروق الكبيرة في الموقف الغربي والشرقي بين الحالتين، وهي فروق صحيحة، لكنهم ينسون أمراً أساسياً، هو وجود الحاضنة الاجتماعية للمقاومة أو المعارضة السورية المسلحة التي تجعل من أي تدخل خارجي روسي أو أميركي أو آخر محكوماً بالفشل، طالما أنّه يأتي لدعم نظام مرفوض اجتماعياً وداخلياً، ولفرضه على الجميع. 

المصدر : العربي الجديد 

زر الذهاب إلى الأعلى