مقالات

أحمد عمر – شركة الرئيس وآلهِ “ليمتد”

سألنا الصحافي الياباني العجوز في المقهى: من منكم قابل الرئيس؟ وضحك. ما الغرض من سؤاله الساخر، ثكلته أمه؟

كان المرء يحلم بصورة مع الرئيس، تقضي الحاجات وتفرّج الكربات، وتفتح الأبواب وتردُّ الغائب، فالصورة معه مثل العصا السحرية في الحكايات. تحاذقَ أحد الأصدقاء، وردّ عليه بسؤال غادر في الظهر: وأنت: هل تستطيع أن تلتقي الإمبراطور الياباني، يا حبيب؟

الجواب السديد لا يحتاج إلى حذاقة وتفكير. قال الحبيب ثكلته أمه: أنتم واهمون، الإمبراطور سليل الشمس وابن الآلهة، لكنه مسكين، وتكاد أسرته تنقرض. ربما يشبه الملكة البريطانية، أو أقل، وهو بلا نفوذ، وأي مواطن من طوكيو أو زائر لها يستطيع أن يراه في حديقته يعتني بالزهور. ولا تنسَ أنّ عدد سكان اليابان أكثر من مئة وعشرين مليوناً، ورأيتم سلوكه في أثناء كارثتي الزلزال وفوكوشيما. ولا تنسوا أنّ بلدكم جمهوري، رئيسكم هو ابن الشعب البار، أما بلدي فإمبراطوري، والإمبراطور ابن الشمس.. الغاربة.

روى المهندس عبد المنعم الحموي قصته: عند تولي ابن الشعب البار منصب الرئاسة، زار مدينتي، كانت الحياة بسيطة، وكان سكانها قد أعدّوا له استقبالاً حافلاً. كان تولي الرئاسة دائماً يجري بانقلاب، رحبنا بالحركة التصحيحية، غير مبالين بطائفة الرئيس ودينه، مع أنّ محافظتنا أتقى المحافظات ديناً، وأذكر أننا ذبحنا على شرفه جملاً عظيماً، وأكباشاً كثيرة. نزل الرئيس، ووقعت مفارقةٌ تشبه التي رأينا في مسلسل الدوغري، استقبله المنتظرون بالأحضان، وكان بينهم القصّاب، عانقه والسكين بيده.. مع العناق، صارت السكين وراء ظهر الرئيس، ثم أخذنا الله بالسنين و.. السكاكين.

قال زميلنا ياسر الإدلبي: أما نحن، يا حبيب، فقد زارنا ابن الشعب البار زيارته الوحيدة للمحافظة، وكانت قد بدت منه إشارات دكتاتورية مبكّرة، فاستقبلناه بالأحذية. وأذكر أن نعلاً صيفياً نسميه الشحاطة، كاد أن يصيب وجهه فيمسخها، فصدّها بيده، تبيّن لاحقاً أنه حارس ممتاز لأمن إسرائيل. تعرفون أنه قتل كل اللاعبين، وبقي وحده في الملعب يسجّل الأهداف، ونصفّق له ونرقص، يا حبيب.

قال جمال الحمصي الذي أوفد إلى اليمن: التقيت بالرئيس اليمني، يا حبيب، اشتكى مدرسون وافدون، ورُفعت الشكوى إلى الرئيس، فجاء لمقابلتنا، ذُهلنا للسهولة التي تم بها اللقاء. مقابلة رئيس بلدية في بلدي المعطاء أشقّ من مقابلة الرئيس اليمني.
قال زميلنا الصحافي: كان لي، البارحة، لقاء مع أردوغان، وهو رئيس دولةٍ كبرى، عدد مواطنيها سبعون مليوناً.

وأبرز صورته مع الرئيس.

جاء دوري، فقلت: بلدتي نائية، يا حبيب، ولا يزورها الرؤساء، لكني تشرّفت برؤية شقيق الرئيس، بشحمه ولحمه ودمه، وابتسامته وكشرته، في سنوات تسلّمه مقاليد الحكم وأقفاله. كنت طالباً، وكان حزب البعث وقتها قوياً، ولم تكن كل فروع المخابرات هذه قد برزت للواحد القهار. وقتها هبط على شقيق الرئيس وحيٌ من شياطين الأولمب، فأسّس جمعيةً خيريةً سماها جمعية الإمام المرتضى، واكترى دكاناً طينياً، وعلّق شاخصة باسم الجمعية في أعلى بابها. لم يدفع أجرتها قط، فانتسب إليها في بلدتي أناسٌ للحظوة والفخر والتقيّة.. وكان رسم الاشتراك وقتها خمس ليرات، قصدوا المسجد الكبير، فنودي للصلاة، واستقام الناس في صفوفٍ يصلون جميعا كأنهم بنيان مرصوص إلا شقيق الرئيس الذي شق الصفوف وفتح الصرّة، وجلس يصلي صلاة المال، ويبلّل أصابعه بلسانه، ويسبّح بحمد الاشتراكات. هذا هو أكبر مسؤول رأيته في حياتي. الرئيس وبقية العائلة الكريمة كانوا، ولا يزالون، يحبّون الأعمال الخيرية، وعلى رأسهم رامي مخلوف الذي اعتكف في أحد الصوامع للأعمال الخيرية.. يا حبيب.

كانت جمعيةً مذهبيةً ودينية. ولذلك، لم تعش طويلا في بلدنا العلماني (مع غمزة عين سميرة توفيق) المعطاء الذي قام رئيسه الدائم والأبدي للزهد ليمتد، السيد أنجلينو أكبر جولي، بأعمالٍ خيريةٍ كثيرة، حتى انقطع جسر الحديد، وثكلت الشعب أمّه.. يا حبيب.

المصدر : العربي الجديد 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى