مقالات

بشير البكر – الحل في سورية أميركي

عادت الولايات المتحدة إلى المسرح السوري بسرعة قياسية، وباتت الطرف الرئيسي الذي يوزع الأدوار في معركة الرقة، كي تؤكد أنه لا حل من دونها، كما هو الأمر في الحرب على “داعش” في العراق. وهناك جملة من الأسباب تشرح هذه المسألة، بعد أن ساد الظن، في نهاية عهد الإدارة السابقة، أن الانكفاء الأميركي عن المنطقة هو خلاصة تفكير استراتيجي، ولا يتعلق فقط بحسابات فريق الرئيس السابق، باراك أوباما.

أول الأسباب أن واشنطن معنيةٌ أكثر من غيرها بهزيمة “داعش” وأخواته، في الوقت الذي تبين أن روسيا ليست قادرةً على أن تنهض بأعباء دور القطب الدولي الوحيد في العالم، الذي عليه أن يملأ الفراغ الذي يمكن أن يخلفه انسحاب الولايات المتحدة من المشهد، وتكشف، من طريقة عملها في سورية، أنها دولة ليس في مقدورها تحمل مسؤولياتٍ من العيار الثقيل، بدليل أنها لم تتقدم خطوة ثانية، بعد أن منعت نظام الأسد من السقوط.

وقد حاولت، منذ نهاية العام الماضي، من خلال اتفاق أنقرة لوقف إطلاق النار، ومن ثم عملية أستانة، أن تقود المسألة السورية، لكنها لم تحقق إنجازاً ملموساً، فهي، من جهة، بقيت ثابتة عند خط الدفاع عن رئيس النظام السوري بشار الأسد، ومن جهة ثانية، لم تحرز إنجازاً ملموساً لجهة وقف النار. وعليه، لم تتمكن من إقناع الأطراف الدولية المعنية بالملف السوري أنها قادرةٌ على لعب دور قيادي في هذه القضية الشائكة والمعقدة.

السبب الثاني أن الولايات المتحدة، على عكس روسيا، لا تزال تشكل مرجعية دولية، يقف إلى جانبها الاتحاد الأوروبي وكل بلدان الشرق الأوسط باستثناء إيران. أما روسيا فهي تخسر يوميا من رصيدها، بسبب عدم قدرتها على تثبيت وقف النار وبناء عملية سياسية في سورية، ويظهر أن كل مناوراتها تهدف إلى تحصين الأسد.

السبب الثالث أن أي حل لأي مسألة دولية معقدة لا تكون الولايات المتحدة طرفاً فيه، أو داعماً له، لا يمكن أن يكتب له النجاح، وهي قادرة، حتى من موقع المتفرج، أن تفشل أي معادلة دوليةٍ لا تحوز على رضاها، وقد تجلى هذا الأمر بوضوح، خلال الأسبوعين الأخيرين في سورية، حين نقلت الاهتمام إلى معركة تحرير الرقة، وصارت تتحكّم بتوزيع الأدوار.

أراد التحرك الأميركي تجاه سورية في الأسبوعين الأخيرين إعادة خلط الأوراق، والرجوع إلى الفكرة التي طرحتها واشنطن منذ حوالي عامين، أن الأولوية هي لهزيمة “داعش”، واللافت أن الأطراف التي عارضت ذلك في حينه تتسابق اليوم لتحجز مكانها في المعركة.
من غير الواضح حتى الآن دور النظام السوري في المعركة، وعلى الرغم من أنه حقق تقدما في الشهر الأخير باتجاه الرقة، بدعم من روسيا والمليشيات الكردية لحزب الاتحاد الديمقراطي، فإن فرص مشاركته في معركة الرقة تبدو ضعيفة، فالطرفان المؤهلان حتى اليوم لخوض المعركة هما الأكراد، وقوات درع الفرات المدعومة من تركيا.

يحسب نظام الأسد أن تثبيته من طرف روسيا سوف يترجم في صورة أوتوماتيكية بإعادة تأهيله دوليا، والسؤال الذي يطرح نفسه هو إذا لم تشركه الولايات المتحدة في معركة تحرير الرقة والحرب ضد “داعش”، فلماذا تساعده على الاستمرارية، لاسيما أن واشنطن ليست على طريق موسكو في سورية، وهذا ما يفسر عدم إشراك روسيا في معركة تحرير الموصل والرقة، لا بل على العكس، لا تزال روسيا متحالفةً مع إيران وحزب الله في سورية، وهو أمر لا تقبله المؤسسة العسكرية الأميركية التي هي صاحبة القرار في معركتي الرقة والموصل.

المصدر : العربي الجديد 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى