مقالات

ليس بالخرائط وحدها.. مقدمات ومقومات سيناريوهات التقسيم

ازداد الحديث عن التقسيم في سورية بشكل كبير وخاصة بعد اندلاع الثورة السورية وخروج مناطق واسعة عن سيطرة النظام واقتصار سيطرته المطلقة على دمشق والساحل؛ مما دفع بالكثيرين للاعتقاد بأن النظام سيتجه لتقسيم البلاد وإعلان دولة خاصة به في المناطق التي يسيطر عليها وعدم القبول بالخروج مهزوما بأي حال.

التطورات الميدانية لصالح النظام، وكذلك ظهور توجه دولي واضح بعدم إسقاط النظام بل التفاوض مع من أجل حل سياسي؛ ربما صرف مؤقتا الأنظار عن مشاريع النظام التقسيمية؛ لكن بموازاة ذلك استمرت الأحزاب والهيئات الكردية تطالب بأشكال مختلفة من حقوق الأكراد كشعب؛ تتراوح من المطالبة بحقوق المواطنة الكاملة إلى الحكم الذاتي إلى الاستقلال الناجز والاندماج في دولة كردستان العراق.

الإدارة الذاتية للمناطق ذات الأغلبية الكردية لم تلقَ قبولا وتأييدا واسعا في صفوف العرب وحتى الأكراد أنفسهم؛ واعتبرت خطوة باتجاه التقسيم؛ ولذلك تمت إدانتها ورفضها بشكل واسع مع أن هنالك بعض مكونات لقبائل عربية انخرطت في تلك الإدارة باعتبارها تشكل حماية ذاتية لمقاومة أي اعتداء.

مع ازدياد قوة ونفوذ التنظيمات والجماعات الجهادية المتشددة في مناطق الشمال والشمال الشرقي من البلاد كجبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام وسعيها لإقامة دولة خاصة بها؛ فقد عاد الحديث عن التقسيم بقوة وواقعية هذه المرة خاصة مع إعلان البغدادي لدولة الخلافة الإسلامية باسم تنظيم “داعش”، وقيامها بكسر الحدود بين العراق وسوريا وانسحاب جيش حكومة المالكي بشكل دراماتيكي باتجاه العاصمة بغداد.

يرتبط التقسيم في الذاكرة الجمعية باتفاق سايكس –بيكو ونظرية المؤامرة المستمرة من الغرب على تقسيم البلاد وإضعافها؛ ولذلك انتشرت بشكل واسع مخططات وخرائط لسيناريوهات التقسيم المحتملة والمتوقعة ساعدت صحف ومراكز دراسات غربية على ترويجها على أنها تسريبات لوثائق؛ مما جعلها في أذهان الكثيرين تبدو كحقائق راسخة سيتم الوصول إليها بمرور الوقت.

يتم الحديث عن تقسيم المنطقة وفق سايكس -بيكو بتبسيط شديد ومبالغ فيه؛ فهذا التقسيم لم يتم إنجازه بقرار في مؤتمر فقط؛ بل تم العمل طويلا على تهيئة البنية الضرورية واللازمة لكل دولة من الدول المقسمة عبر وضع هذه الدول تحت الانتداب والوصاية لعشرات السنين؛ وإقامة بنية دستورية وقانونية لها؛ والاعتراف بها من المنظومة الدولية وقتها؛ وإقامة حكومات وطنية وجيوش وطنية في تلك البلاد تقودها نخبة من رجال المدن والأعيان تدعم الروح الوطنية وتدافع عن حدود الدولة الوليدة.

مصلحة الغرب في إعادة رسم خارطة المنطقة وتقسيمها من جديد غير واضحة أو مؤكدة وغير مفهومة؛ فالتقسيم يحتاج شروطا ذاتية وموضوعية لإنجازه ولا يتم على الورق فقط؛ إضافة إلى أنه لا يمكن الضبط والسيطرة على حالة الفوضى الناجمة عن التقسيم وتحويلها إلى مصالح بحتة للغرب.

جنوب السودان عاش صراعا داميا لعشرات السنين قبل أن يتجه نحو الانفصال بدعم غربي واسع؛ وبقيت مناطق كردستان العراق مسرحا لصراعات طويلة قبل أن تحصل على الحكم الذاتي المستقل في نهاية المطاف؛ وهذان المثالان يدلان على صعوبة فرض التقسيم موضوعيا ومع غياب العوامل الذاتية ستكون الأمور أصعب بكل تأكيد.

يبدو أن حكومة كردستان العراق هي الجهة الأكثر استفادة حتى الآن مما يجري في المنطقة؛ فقد قامت بضم المناطق التي استمرت تطالب بها طويلا في كركوك؛ وبذلك تكون حدود كردستان العراق قد رسمت بشكل كامل ولا يمكن توقع العودة بها إلى الوراء.

يبدو أن ملامح اتفاق إقليمي وضحت جزئيا الآن كثمن لتعويم النظام وضمان بقائه وعدم رحيله سوى بحل سياسي سيلتزم بعدم إعلان التقسيم أو الدويلة الطائفية، وبالمقابل تم إيقاف جبهة الساحل والانسحاب من كسب لتأكيد الاتفاق؛ كما يبدو أن النظام نال تعهدات أكيدة بتبريد جبهة مدينة دمشق تماما ومن أجل ذلك فقد بدأ في عملية إزالة الحواجز من شوارع المدينة بشكل مفاجئ وهو مطمئن لما يجري.

يبدو أنه قد تم التوافق على إعطاء الأكراد دولة في شمال العراق وربما سيتم العمل على ترسيخها عبر استفتاء ضمن الإقليم وفق نمط القرم؛ ومن هنا يمكن فهم ردود الأفعال الغاضبة لإياد علاوي على نتائج زيارته الأخيرة لتركيا؛ فقد لمس جديا موافقة الأتراك على استقلال كردستان العراق؛ وبالطبع تم ذلك باتفاق مع أكراد تركيا وسورية بأن تكون الدولة الكردية المستقلة الحاضنة لهم هي كردستان العراق فقط؛ وبذلك تكون تركيا قد حققت مكاسب قومية هامة في الفترة الأخيرة حيث ضمنت حدودها تماما؛ كما نزعت فتيل الاشتعال الداخلي من الورقة الكردية والعلوية؛ وهذا سيصب في خانة الحزب الحاكم وستظهر نتائجه المفترضة في انتخابات الرئاسة التركية القادمة الشهر المقبل؛ ومن هنا يقرأ بعض المراقبين تغير الموقف التركي تجاه الملف السوري كما يتوقعون تغيرات إضافية طبقا لتطور الأمور.

يبقى من سيناريوهات التقسيم المطروحة دولة الخلافة أو كما كانت تسمى الدولة الإسلامية في العراق والشام أو بتعبير آخر الدولة السنية؛ وهذا الكيان ليس له من مقومات الدولة أي شيء؛ فمن حيث السيادة لا يتوقع أن تعترف به أي دولة في المنظومة الدولية؛ كما أن حدوده مغلقة ومن السهل حصاره وإنهاكه اقتصاديا وعسكريا؛ وسيبقى كيانا معزولا في المنطقة؛ ربما يحقق للغرب مصالح في إضعاف دول المنطقة وتدمير بنيتها التحتية واستجلاب الجهاديين من أراضيها؛ لكن عندما ستتحقق هذه الأهداف كاملة ستبدأ الحرب على دولة الخلافة.

باستقراء سياسي بسيط يتضح أن الحرب القادمة على دولة خلافة البغدادي أو الإرهاب كما يسميه الغرب، ستتم عبر تحالف دولي واسع كما حصل في العراق وأفغانستان سابقا؛ وسيكون من المستغرب للجميع اجتماع أعداء الأمس في خندق واحد؛ ولكن القوى البرية سيكون قوامها الأساسي أبناء المنطقة أنفسهم، مما يعني استمرار المحرقة السورية ولكن بصراعات داخلية هذه المرة، ويبقى النظام هو الأكثر استفادة من هكذا سيناريو وهو قام بطرحه في مؤتمر جنيف أصلا.

الكاتب : عماد غليون

وطن اف ام

زر الذهاب إلى الأعلى