مقالات

كاظم البرجس – فصل الرياضة عن البراميل المتفجرة

لم يعد فصل الدين عن الدولة أشدّ فصول الحديث جدلاً بين الناس، بعد أن طفت على السطح قضية فصل الرياضة عن السياسة في سورية، على خلفية وصول منتخب بشار الأسد للتصفيات المؤهلة لكأس العالم في روسيا 2018، وكون ذلك عزّز الاصطفاف السوري.

فمن جهةٍ، ثمّة معارض يرى أنّ الأسد جعل نفسه الحاكم بأمره في سورية، وله ما فيها من خيرات وما تحت الثرى، وبالتالي كل شيء يحمل اسمه من مؤسسات الدولة، كالنقابات والمدارس والجامعات ومؤسسات إكثار البذار حتى! وما بين مؤيد يرفع شعار “الأسد أو نحرق البلد”، يرى كل معارض رفض التصفيق لبشار والتسبيح بحمده، قد شبّ عن طوق الوطنية، وأصبح محرّضاً على إضعاف الشعور القومي، وبالتالي يجب سحقه وقتله وتمزيقه.

كلّنا نريد فصل الرياضة عن السياسة في سورية، وكذلك فصل الدولة عن النظام. لكن أَنَّى يمكن ذلك في ظل نظام استبدادي قمع وقتل عدداً من الرياضيين لمجرد معارضته؟ ومنهم كيمان إبراهيم وعبد الرحمن صبوح وصبحي نحيلي وجهاد قصاب وآخرين لا نعلمهم، الله وحده يعلمهم.

وكيف يمكن فصل الرياضة عن السياسية، إذا كان رئيس الاتحاد الرياضي، موفق جمعة، لواء في جيش الأسد الذي يقتل المدنيين ببراميل الموت، ومنها (أي تلك البراميل) ما يتم تصنيعه في ملاعب كرة القدم، كونها تحولت إلى ثكنات عسكرية.
نزيد ونقول: كيف يمكن فصل الرياضة عن السياسة وإقناع المواطن الثائر ولو لحظة بـ “منتخب الوطن” وليس منتخب “سورية الأسد”، في حين أنّ لاعبي المنتخب يحملون صور بشار الأسد، كما أنّ الأخير رفض حتى الإعتراف بالدفاع المدني في المناطق المحرّرة ووصمهم بالإرهاب، علماّ أنّ سلاحهم الوحيد هو مضخات الماء التي تطفئ نيرانه التي تحرق قلوب السوريين.

لا شك في إنّ الشعب السوري الثائر ليس ضد الدولة، وهو واع ويميّز بين الدولة والنظام. لذلك، منذ أن صدح بعبارات الحرية في مارس/ آذار عام 2011، دعا إلى فصل مؤسسات الدولة عن نظام بشار الأسد. وعلى سبيل المثال، أطلق جمعة “حماة الديار” لتحييد المؤسسة العسكرية وحماية المدنيين وممتلكاتهم. 

لا يوجد عاقل يرضى بزوال مؤسسات الدولة التي هي ملك للشعب، وليست من إنجازات “الحركة التصحيحية”. لذلك قام بشار الأسد بتدمير الجامعات والمدارس والمساجد في المناطق المحرّرة، كعقاب جماعي للثائرين، كأنه يقول لهم: كيف تثورون عليّ، وأنا لي ملك سورية وخيراتها؟

لذا، كان سهلا للمراقب، حتى غير السوري، أن يرى كيف سيّس الأسد الرياضة والفن وخطب المساجد، لتعزيز مزاعمه، وخطبة الشيخ، مأمون رحمة، جعل الحج في قاسيون دليل على ذلك. 

ليس بشار الأسد أول من أدخل الرياضة بالسياسة، فقد سبقه طغاة آخرون، كموسوليني الذي استغل استضافة كأس العالم عام 1934 في إيطاليا للدعاية لنظامه الفاشي، وهو ما يفسّر شغف إعلام الأسد وحوارييه بتحقيق نصرٍ في سباق التأهل إلى كأس العالم، حيث أنّ بشار الأسد الذي يجدر به أن يأخذ كأس العالم في بطولة قتل المدنيين، يريد استخدام الرياضة، ليقول للعالم إنّه على الرغم مما يتعرّض له من “مؤامرة كونية”، فإنه قادر على تحقيق الإنتصار. تماما كما حاول، قبل فترة، إيصال تلك الرسالة من خلال معرض دمشق الدولي، وتباهى بصنع أكبر قطعة معمول.

كما يسعى الأسد من خلال تسيس الرياضة إلى تعويم نفسه على جماجم السوريين، والقول للعالم إنه موجود و”ما في شي بسورية”، والشمس تشرق من الشرق والعصافير تزقزق، وأنّ ذلك لم يحدث من دون العودة إلى حضن الوطن “المتجانس”، مستدلا بعودة بعض اللاعبين لمنتخبه.

وبطبيعة حساسية المرحلة وسيناريو الإنتصار على “داعش” الذي خرج من القلمون إلى دير الزور بباصات حزب الله، وتحت مرأى ومسمع من قوات الأسد والاحتلال الروسي، سيستقبل الأسد اللاعبين، ليمحو عار الصفقة مع “داعش”، وليقدم نفسه راعي الرياضة والرياضيين، وأنّه الرياضي الأول والملهم الأول، كيف لا وهو حفيد من قال: إني أرى في الرياضة حياة؟

يصعب على نظام يزدحم عقله بالبوط العسكري والبراميل المتفجرة أن يفصل الرياضة عن السياسة، كما يصعب عليه أن يتحلى بأخلاق اللاعب في كرة القدم، ما دام قد جعل المناطق المحرّرة حقل رمي لبراميله وصواريخه وغازاته السامة، ثم حوّل سورية إلى ملعب كبير للاعبين الدوليين وتراجع دوره في هذا المعلب إلى ما خلف لاعب احتياط أو مشجع.

ربما يفوز منتخب بشار، أو يخسر، أو يتعادل مع نظيره فريق الملالي الذي يعتبر هو الآخر سورية ولاية تابعة له، لكن لا معنى لنتيجة المباراة أمام نتيجة الضحايا في الوطن الذبيح الذي يسجل فيه نصف مليون شهيد، وضعفهم من المعتقلين وملايين المهجرين.

وطن اف ام 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى