طرطوسمقالات

بكر صدقي – جديد الحروب في سوريا: داعش يضرب في طرطوس وجبلة

منذ العام 2011، حين خرجت فيهما بعض المظاهرات السلمية المناوئة للنظام، وسرعان ما تم قمعها واحتواؤها، غابت المدينتان الساحليتان (ومعهما اللاذقية) تماماً عن الأخبار السورية. وتزامن ذلك الغياب مع التحول المطرد للثورة من سلمية إلى مسلحة.

 وفي الوقت الذي كان النظام الكيماوي يدك فيه المدن والقرى، في معظم أرجاء سوريا، بجميع أنواع الأسلحة المتوافرة لديه، وترتكب قواته المجازر الموصوفة بحق المدنيين، كان قسم من نازحي المناطق المنكوبة يتجه إلى مدن الساحل حيث الأمان والاستقرار النسبي.

إلى حد أن شهود عيان تحدثوا عن إزالة كثير من الحواجز الأمنية داخل مدينة اللاذقية، في أعقاب سيطرة النظام، بمساعدة فعالة من الغطاء الجوي الروسي، على بعض المناطق الاستراتيجية في جبلي التركمان والأكراد المشرفين على المدينة، قبل بضعة أشهر.
ويمكن القول إن انخراط روسيا المباشر في الحرب إلى جانب النظام، وتركيز عمليات طيرانه على تأمين ما بات يسمى بـ»سوريا المفيدة»، وفي القلب منها الشريط الساحلي الذي يضم القاعدة الاجتماعية الأكثر تماسكاً للنظام، إضافة إلى امتناع الفصائل المعارضة، عموماً، عن شن هجمات مركزة على تلك المناطق، قد أدت بمجملها إلى نوع من الاسترخاء الأمني والاجتماعي، مما سهل من مهمة الانتحاريين الذين قاموا بسبعة تفجيرات متزامنة في مدينتي جبلة وطرطوس، استهدفت المدنيين، وزاد عدد ضحاياها على الثلاثمئة.

أضف إلى ذلك أن الفساد المستشري لدى قوات النظام وشبيحته من ميليشيات «الدفاع الوطني» هو من العوامل التي لا بد من أخذها في نظر الاعتبار لتفسير كيفية تسلل انتحاريي داعش إلى قلب معاقل النظام. ولا جدوى من التساؤل الساذج عن كيفية انتقال متفجرات من مسافات بعيدة عبر العديد من الجبهات المشتعلة والحواجز، ما دام يمكن تأمينها في المدينتين المنكوبتين نفسيهما بشرائها محلياً من جهات (أو أفراد) عسكرية وأمنية وميليشيوية تقاتل في صف النظام. لقد حدث في مناطق أخرى بيع أسلحة وعتاد وجبهات إلى فصائل معارضة، فما الذي يمنع حدوثه في جبلة وطرطوس أيضاً؟

تبقى هذه وغيرها مجرد تكهنات في الممكن من الاحتمالات، ومن المرجح أن الحقيقة لن تظهر أبداً، بما أن الجهة الوحيدة القادرة على إجراء تحقيق في الجريمة هو «نظام» طالما استهان بدماء السوريين، موالين أو معارضين، وعاهد نفسه على ألا يتوقف قبل تنفيذ المهمة الموكلة إليه إلى النهاية: إلغاء سوريا من الخريطة، وقتل وتشريد جميع سكانها، وتسوية عمرانها بالأرض.

هذا إذا كنا نشكك في تبني داعش للتفجيرات السبعة المعلن عنه في وكالة أعماق. والحال أن التفجيرات تحمل بصمات التنظيم الجهادي، سواء من حيث اختيار الأهداف، أو التنفيذ المحكم، أو التداعيات السياسية التي يمكن أن تنجم عنها. وإذا أردنا تشبيهها بسوابق لأعمال داعش فهي أقرب ما تكون إلى عمليات باريس وبروكسل والضاحية الجنوبية لبيروت. فجميع تلك العمليات حدثت خارج المناطق الجغرافية لـ»دولة الخلافة» أو مناطق انتشار داعش المعلنة كالقلمون ومخيم اليرموك وغيرها. وحققت عنصر المفاجأة القاتل والمدوي معاً، من حيث استهدافها مناطق آمنة ويفترض أنه لا يمكن استهدافها أو غير قابلة للاختراق. كما يحقق استهداف جبلة وطرطوس الضجة الإعلامية التي تهم داعش كثيراً لأنها إحدى الأدوات المهمة في حربها ضد العالم.

من المحتمل أن داعش الذي يعاني من صعوبات داخلية وتحديات خارجية كبيرة، منذ بعض الوقت، وخاصة مع بدء معركة تحرير الفلوجة والموصل في العراق، واقتراب معركة تحرير الرقة ومنبج في شمال سوريا، أراد نقل المعركة إلى خارج «دولته» وضرب العدو ـ الذي هو كل العالم ـ في قلب مناطقه، لرفع معنويات أنصاره ومقاتليه، وعدم خسارة زخم استقطاب المزيد من الجهاديين إلى «رسالته» العدمية، من كافة أنحاء العالم. وخاصةً أن مجازر جبلة وطرطوس استهدفت من يعتبرهم التنظيم الإرهابي «كفرة» أعداء محلل دمهم، الأمر الذي يلاقي قبولاً لدى معتنقي الإيديولوجيا الجهادية في كل مكان.

هل يستفيد النظام من هذا الحدث الإجرامي؟ نعم، لا بد أن يستفيد، كما يفعل في كل جريمة تصيب السوريين، سواء كانت من فعل يديه أو يدي غيره، وخاصة جرائم داعش بالذات الذي كثرت التكهنات ـ بسبب الخدمات المتبادلة الفعلية ـ بشأن «تنسيق» عملياتي وسياسي بينه وبين النظام، إلى حد أنها تجاوزت المحللين المحليين المتهمين بعقلية المؤامرة، إلى وسائل إعلام أوروبية وأمريكية. ومن تفجيرات صباح الاثنين في جبلة وطرطوس، يستفيد النظام أولاً لتبرير عدم التزامه بوقف العمليات العدائية، واستمراره في منع وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المحاصرة، وصولاً إلى نسف مبدأ «الحل السياسي» الأمريكي ـ الروسي المفترض استئناف المفاوضات بشأنه في «وقت ما». وبهذا المعنى يشكل أي حل سياسي، مهما بلغ من الإجحاف بحق السوريين ومن الانحياز إلى القاتل، العدو الأول لنظام البراميل والكيماوي، في حين يشكل داعش أفضل أصدقائه الموضوعيين.

كذلك قد تؤدي هذه العمليات إلى شد العصب الطائفي لدى قاعدته الاجتماعية، خشية أن يكون قد تراخى بفعل الزمن والشعور المحلي بالأمان، أو بفعل جسامة التضحيات التي قدمتها طوال السنوات الماضية وبلغت حصيلتها عشرات آلاف القتلى دفاعاً عن النظام. فالنظام يحتاج المزيد.

المصدر : القدس العربي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى