مقالات

القدس العربي – من القنطار إلى علوش: ألغاز روسيا في سوريا

ربط بعض المحللين اغتيال القيادي في «حزب الله» اللبناني سمير القنطار باغتيال قائد فصيل «جيش الإسلام» السوري زهران علوش، واتجه سهم الربط إلى فرضية اعتبار قتل الأخير نوعاً من التعويض الرمزي المكافئ لمقتل القيادي الشهير في «حزب الله» الذي اعتُبر شكلاً من أشكال التواطؤ الروسيّ مع إسرائيل، مما يجعل قتل القائد الإسلامي السوري المعارض نوعاً من الاعتذار الروسيّ عن خطأ سلف وتقديماً لأضحية مناسبة في الوزن والاعتبار لكل من النظام السوري وحليفه «حزب الله».

غير أن التدقيق في هذه الفرضية يكشف مشاكل فيها، فهي تتجنّب حفراً مطلوباً أكثر في القضيتين، بشكل لا يستبعد أي احتمال، ولعلّ أحد الاحتمالات الغامضة التي لم يتمّ التعاطي معها بجدّية، رغم وجود سوابق عليها، هو احتمال القبول الضمنيّ للنظام السوري باغتيال القنطار، وهو أمر سبق أن أشارت إلى أمر شبيه (وفاضح) له زوجة المسؤول العسكري السابق في «حزب الله» عماد مغنية، سعدى بدر الدين، التي اتهمت عام 2008 النظام السوري بالضلوع في اغتياله.

فرغم الطابع الباطني المعقد للنظام السوري الذي يخفي في صندوقه الأسود أخطر الأسرار فإن مراقبة مساراته، والانتباه إلى أن شرطه الأساسي هو البقاء بأي طريقة، حتى لو ضحّى بأكثر الأشخاص قرباً منه (كما تفيد أنباء حديثة عن دور النظام في التفجير الغامض لمبنى الأمن القومي الذي أدى لمقتل قادة أمنيين سوريين كبار، بينهم زوج بشرى، شقيقة الرئيس السوري، عام 2012 والذي كان بداية مرحلة من الوحشية الكبيرة في الصراع السوري) ووجود نمط متكرر للأحداث فيما يتعلق باغتيالات قادة حزب الله في سوريا، يجعل الأمر قابلاً للاستيعاب، ويجعل من الاتفاق الحاصل بين موسكو وتل أبيب، يتّسع، ومن دون صعوبة كبرى، لوجود دمشق فيه، رغم ما يبدو عليه الأمر من تناقض مع الحلف المعلن والطويل الأمد مع إيران وجماعاتها. لقد تم عرض استدعاء روسيا إلى سوريا باعتباره تعزيزاً للحلف الروسي – الإيراني – السوري، ولكنّ حرية إسرائيل في ضرب من تريد في سوريا، يعني، على الأغلب، تراجعاً للنفوذ الإيراني، أو إعادة تموضعه ضمن أجندة روسيّة أكبر بكثير تستهدف فكّ الطوق الغربي عن موسكو وطهران من خلال حلف مأمول ضد «الإرهاب السنّي» يؤدي لإعادة ترتيب أوضاع الشرق الأوسط.

كل هذا يذكّر، بالنزاع الذي حصل في إحدى مراحل الحرب اللبنانية بين الجيش السوري و»حزب الله»، وكان هدفه ضبط أجندة الحزب على التوقيت السوري وليس الإيراني فحسب، وكذلك الإغراءات التي قدّمها النظام السوري للمجتمع الدولي لإبقائه في لبنان بعد مقتل الحريري، بدعوى أنه الطرف الوحيد القادر على نزع سلاح «حزب الله».

اغتيال علوش، في المقابل، يحمل معالم الخطة الروسية الصاعدة، والتي تقوم على ركيزتين، الأولى ضرب القوى العسكرية السورية «المعتدلة» القادرة على مفاوضة النظام (باعتبار أن التنظيمات الأخرى قد تم تشريع تصفيتها أممياً وبالتالي لا تؤثّر على معادلة إعادة إنتاج النظام السوري القائمة على قدم وساق)، والثانية هي تشتيت المعارضة السياسية «المعتدلة» من خلال فرض «فيتو» على أطراف محددة فيها كـ«جيش الإسلام» و«أحرار الشام» (وهما من أقوى التنظيمات العسكرية على الأرض)، ومحاولة فرض تنظيمات سياسية شكلية باعتبار أنها جزء من «المعارضة» السورية، وبذلك تحطيم قدرات المعارضة السياسية السورية وتحويل عملية التفاوض إلى ملهاة تتكفّل فيها «المعارضة» الكاريكاتورية بتصفية المعارضة الحقيقية.

وبهذا المعنى يصبح مصــــرع القنـــــطار وعلوش، ضربتين لازبتين لخــــــدمة هدف واحد، وتتحوّل الموازنة الرمزية بين كفّتي الضحيتين، إلى مقاربة واحدة تصبّ في اتجاه استراتيجي واحد تحرّك موسكو خيوطه، ولا تبتعد دمشق الأسد، كثيراً عن القبول الضمنيّ به أو الانخراط الفعليّ فيه.

المصدر : القدس العربي 

زر الذهاب إلى الأعلى