مقالات

بكر صدقي – سوريا والانتداب عزيز المنال

طرح الناشط الحقوقي المعروف أنور البني، في حوار صحافي، فكرة وضع سوريا تحت الوصاية الدولية كمدخل للخروج من المأزق الحالي. (حرر الحوار باسل العودات، في صحيفة «العرب» بتاريخ 8 نيسان/ابريل).

والحال أن وصاية دولية متعددة الأطراف باتت أمراً واقعاً، منذ مؤتمر فيينا في شهر تشرين الثاني/نوفمبر الماضي على الأقل، من غير إعلان صريح بذلك. فقد اجتمع هناك ممثلو عدد من الدول المنخرطة في الصراعات السورية، على رأسها الولايات المتحدة وروسيا، وبغياب تام لأي ممثل عن سوريا، نظاماً ومعارضة، واتفقوا على خريطة طريق لحل سياسي ينهي الصراع، تم تكريسها، بعد أقل من شهر، في قرار مجلس الأمن رقم 2254 الذي بدأت على أساسه جولة مفاوضات جديدة، في جنيف، بين ممثلين للنظام والمعارضة، في شباط/فبراير الماضي.

مشكلة الوصاية الدولية، القائمة اليوم، هي أنها متعددة الأطراف، وتتشكل من مجموعة دول غير منسجمة في أهدافها بشأن سوريا ومصيرها، إضافة إلى أنها غير رسمية، مما يعفيها من أي واجبات ومترتبات على وضعية الوصي القانوني. وعلى رغم اتفاق تلك الدول، من حيث المبدأ، على الالتزام بإيجاد حل سياسي في سوريا، تحول المصالح المتباينة لها دون ترجمة ذلك إلى حقائق على الأرض.

إن ما استدعى هذه الوصاية، أصلاً، هو عجز كل من النظام والمعارضة عن حسم الوضع في سوريا عسكرياً لمصلحة أحدهما، بموازاة استحالة وجود أي أرضية مشتركة تسمح بإيجاد حل سياسي يتوافق عليه الطرفان. لا بد من القول، هنا، أن النظام الذي لم يتورع عن استخدام أسلحة الدمار الشامل ضد السوريين، هو الطرف غير القابل لأي حل سياسي، بسبب بنيته المتصلبة المتطرفة غير القابلة لأي إصلاح. لا يمكن، بالمقابل، مطالبة الطرف الآخر بالتخلي عن مطلب تغيير النظام حفاظاً على الكيان السوري، لأن معنى ذلك هو الخضوع لابتزاز كل من أمسك بوسائل التدمير وطرح شعارات عدمية من نوع «الأسد أو لا أحد» أو «الأسد أو نحرق البلد» وقد طبقهما النظام الكيماوي حرفياً حين أفلتت من يده السيطرة على البلد. هذا إذا لم نتحدث عن أن أكثر الفصائل المسلحة المعارضة له تصرفت دائماً بطريقة أكثر مسؤولية منه، حتى إذا قارناه بداعش نفسه.

أضف إلى ذلك أن هذا النظام الكيماوي الذي ابتكر سلاحاً بدائياً يشبهه، هو البراميل المتفجرة العمياء التي يلقيها على المناطق الآهلة بالسكان، لا يعترف بأي قيم عالمية أو أعراف بشرية، ويحرج بوحشيته حتى أشد حلفائه إخلاصاً له. ولو كان طريق الحل يمر بتحكيم جهات محايدة لا مصالح استراتيجية لها في سوريا، لما ترددت في تحويل رأس النظام وأركانه إلى محاكم دولية كمجرمي حرب ومجرمين ضد الإنسانية، بدلاً من إرغام المعارضة على التفاوض معه كما تفعل «مجموعة فيينا» الوصية على سوريا. هذا ما أفاد به المحامي الأمريكي كريس أنجلز الذي يقود وحدة جرائم النظام السوري في «لجنة العدالة والمحاسبة» التي تمكنت من جمع كمية هائلة من الوثائق التي من شأنها إدانة النظام بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وصولاً إلى رأس النظام نفسه. وقال قائد فرق التحقيق للجان الدولية في رواندا وسيراليون ستيفن راب إن تلك الوثائق «أغنى من كل شيء رآه وحقق فيه في هذا المجال».

ولو كان الأمر يتعلق بدولة «طبيعية» كان من شأن أوراق بنما الخاصة بفساد العائلة الحاكمة وحاشيتها المقربة، أن تكون كافية وحدها للإطاحة بالنظام، من غير حاجة إلى إدانته بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. فقد أطاحت تلك الأوراق، إلى الآن، بعدد من الساسة الأوروبيين (رئيس وزراء إيسلندا ووزير الصناعة الإسباني)، ولم تهتز شعرة لأركان النظام الكيماوي وهم يكررون القول إن مصير بشار ليس مطروحاً للتفاوض، كما لو كان نجاحه منقطع النظير في تدمير سوريا ورهن مصيرها بإرادات دول أجنبية، تزكيةً له تدفع للتمسك به.

بعد حرب مطلع الثمانينات التي شنها حافظ الأسد على الشعب السوري، فدمر مدناً وقتل عشرات ألوف السوريين، وحوَّل سوريا إلى مقبرة كبيرة تصفر فيها رياح الموت، فارتفع جدار من اليأس والتسليم، في المجتمع، من أي تغيير في سوريا. كثيراً ما كانت تحضر، في الجلسات الخاصة، مقارنة حكم الانتداب الفرنسي، في عشرينات القرن العشرين وثلاثيناته، بالكابوس الأسدي الجاثم على الصدور، ليخرج الانتداب، من تلك المقارنة، في صورة أقل سوءًا منه، بدلالة إنجازات المحتل الفرنسي التي ما زالت بعض آثارها قائمة إلى اليوم، كما بدلالة المجازر التي ارتكبها الأسد بالمقارنة مع عدد محدود نسبياً من القتلى (يعدون بالمئات) شكلوا فاتورة التخلص من حكم الانتداب. من المحتمل أن يرحب كثير من السوريين، اليوم، بنظام انتداب دولي يشكل مخرجاً من الجحيم الذي أحرق بلدهم خلال أكثر من خمس سنوات.

هذا النظام الذي شكل، تحت مظلة «عصبة الأمم»، غطاء للمطامع الاستعمارية الفرنسية والبريطانية، لا يعدو كونه، في الحالة السورية اليوم، مجرد حلم بعيد المنال. فالقوى الدولية المنخرطة في الجحيم السوري، لا تسمح بوضع نهاية له، ولا تتمتع حتى بـ»أخلاقيات» الاستعمار القديم الذي تنطح لـ»تمدين» مجتمعاتنا «المتخلفة» بنظره، بواسطة أنظمة الوصاية أو الحماية أو الانتداب، ولا هي ترقى إلى مستوى تحمل مسؤوليات الاستعمار بمختلف وجوهه. حكومات الدول القادرة اليوم تتصرف، إزاء كثير من المشكلات الدولية، بوضاعة تدفعنا إلى الترحم على مستعمرينا السابقين.

المصدر : القدس العربي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى