مقالات

محمد مشموشي – بوتين… وخياراته حيال الأسد وخامنئي وترامب!

يبدو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، سواء في سياسته السورية أو في استراتيجيته الأميركية الآن، أمام خيار من اثنين: إما الدفع باتجاه تسوية سياسية سورية، ولو على حساب حليفيه فيها، نظام الأسد والنظام الإيراني، أو الغرق في وحول حروب مديدة، سورية وإقليمية، لا يعرف أحد متى وكيف تنتهي. وتجاه الإدارة الأميركية الجديدة، برئاسة دونالد ترامب، التي يراها بوتين أكثر تفهماً له ولدوره من الإدارة السابقة برئاسة باراك أوباما: إما إرساء سياسة تقوم على حد أدنى من التنسيق على المستوى الدولي، والإقليمي/ الشرق أوسطي تحديداً، أو إعادة إنتاج ظروف تضع العالم أمام حرب باردة جديدة، لا يعرف أحد بدوره متى وكيف تنتهي.

ذلك أن بوتين الذي يعتبر نفسه صاحب «انتصار» مزدوج، في سورية بعد تدمير حلب وإخراج أهلها وفصائل المسلحين منها، وفي واشنطن بفوز ترامب في الانتخابات الرئاسية (بغض النظر عن الاتهامات الموجهة ضده بالقرصنة الإلكترونية لموقع الحزب الديموقراطي في سياقها)، يظن أنه بات يمـــلك من الأوراق ما يؤهله لجعل انتصاره المزدوج هذا حقيقة واقعية على الأرض.

لذلك، يتفق المراقبون على القول أن بوتين قام بخطوتين في آن واحد: في سورية، بادر الى طرح تسوية بدا منذ اللحظة الأولى أنها تتم في معزل عما يفكّر فيه كل من الأسد وراعيه الإيراني اللذين ما زالا يتحدثان عن «حسم عسكري». كما أنه في واشنطن، وعلى خلاف التقاليد المعمول بها بين الدول في مثل هذه الحال، رفض الرّد على طرد 39 ضابط مخابرات وديبلوماسياً روسياً من واشنطن بمثله، ما أثار علامات استفهام حتى في موسكو نفسها.

في هذا المجال، سيكون مفهوماً أن يبادل ترامب «صديقه» بوتين التحية بمثلها، فيشيد بخطوته هذه قبل تسلّمه السلطة في 20 كانون الثاني (يناير) الجاري، لكن ما ليس مفهوماً أن تتولى قوات الأسد وميليشيات حليفه علي خامنئي مهمة الانتهاك الدائم لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أعلنته موسكو وأنقرة تحضيراً لبدء مفاوضات في العاصمة الكازخستانية، أستانة، حول التسوية السياسية في سورية.

فهل يتراجع بوتين هذه المرة أيضاً، كما فعل بالنسبة الى بيان «جنيف 1» في 2012، الذي نصّ على مرحلة انتقالية وصلاحيات كاملة، عن مبادرته الجديدة هذه، أم أنه سيفرضها ولو بالقوة على الأسد وخامنئي… أقله باعتباره «صاحب الفضل»، ليس فقط في «انتصار» حلب الأخير، إنما أيضا وقبله في منع سقوط نظام الأسد المحتم من خلال تدخّله العسكري في سورية في خريف 2015؟

الحال، أنه لم يعد خافياً ما يريده الأسد (برعاية خامنئي) من بوتين وقواته المسلحة وقاعدتيه العسكريتين في طرطوس وحميميم: العمل عند النظام، ومن أجل بقائه حاكماً مطلقاً لسورية، فقط لا غير. وكل حديث عن تعديل النظام، أو حتى عن مجرد الإصلاح، لم يكن مطروحاً من قبل ولا هو مطروح الآن، ولا عند الأسد ولا عند خامنئي الذي ينظر الى سورية من خلال استراتيجيته الفارسية/ الإقليمية/ الشيعية، بدليل كلامهما الذي لم يتوقف يوماً عن «الحسم العسكري» من جهة و»تحرير كامل التراب الوطني» بعد النجاح في «تحرير حلب» من جهة ثانية.

هل أدرك بوتين هذه الحقيقة، أقله من خلال تجربة ما يقرب من عامين من العمل الحربي/ السياسي مع الأسد وخامنئي، أم أنه كان مشغولاً طيلة تلك الفترة بتوجيه «رسائل» الى أوباما وتلقي ردود عليها أكثر من أي شيء آخر؟
وهل يفسّر هذا الإدراك، أو حتى عدمه، ما شهده العالم من «احتفالية» بوتين غير المسبوقة بنجاح ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية على منافسته هيلاري كلينتون، وبتدخله القرصني غير المسبوق بدوره في تقديم العون له إلكترونياً (وربما بأكثر من ذلك؟!) لضمان هذا النجاح؟

ليس جديداً، في كل حال، القول أن مغامرة بوتين في سورية استهدفت، إضافة الى إعادة الدور والنفوذ السابقين، كلاً من أوكرانيا والدول الأوروبية الأعضاء سابقاً في الاتحاد السوفياتي والعقوبات الأميركية والأوروبية عليه، ولا أنه نجح الى حد بعيد في مغامرته حتى الآن.

لكن الدخول من الباب الخلفي الى واشنطن، بخاصة عبر التدخل في الانتخابات الرئاسية، لم يكن مأمون العواقب في أي يوم. سبق للرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون أن فعل ذلك ضد منافسه في انتخابات 1986 ليندون جونسون، عبر محاولة إفشال مبادرته للتسوية في فيتنام (كما كشف بالوثائق أخيراً)، لكنه قام بمبادرة مماثلة لها بعد انتخابه. كما سبق للمرشح رونالد ريغان أن أقام علاقة سرية مع إيران الخميني لعدم إنهاء مشكلة السفارة الأميركية في طهران قبل الانتخابات حتى لا يستفيد منه منافسه فيها جيمي كارتر، إلا أنه لم يتأخر لحظة واحدة بعدها عن تقديم الدعم لصدام حسين لمواصلة حربه ضد إيران.

كذلك، فإن دخول بوتين الآن الى المنطقة العربية، سواء من البوابة الإيرانية أو حتى من بوابة الأسد وحدها (بضوء أخضر من أوباما أو من ترامب؟!) لن يكون مأمون العواقب لا على المدى القريب ولا على المدى البعيد.

وبذلك يبدو بوتيـــن أمام واحد من خيــــاريه هــــذين: إما تسوية سريعة، وعادلة حكماً، للكارثة التي تضرب سورية منذ نحو ستة أعوام، أو الغرق في وحول حرب مديــدة قد تصل الى روسيا نفسها. وفي حالة واشنطن، وصديقه الجديد فيها ترامب، إما التناغم معه حول نووية النظام الإيراني ووقف تدخلاته على مساحة المنطقة وفي دولها كل على حدة، أو العودة الى مناخات الحرب الباردة، وربما الى المواجهة.

والسؤال الفعلي هو: أي خيار من الاثنين يعتمده بوتين… وبسرعة هذه المرة، في سورية كما في تعامله مع الإدارة الأميركية الجديدة؟!.

المصدر : الحياة 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى