مقالات

خورشيد دلي – تركيا وجدل النظام الرئاسي

بعيداً عن المخاوف من الدكتاتورية والشمولية وحكم الفرد، كما تقول المعارضة التركية، ثمّة رؤية تقول إن تركيا غير جاهزة تقنياً للانتقال إلى النظام الرئاسي، كما يتطلع إليه الرئيس رجب طيب أردوغان، ويرى أصحاب هذا الرأي أن الاستشهاد بالنظام الرئاسي في الولايات المتحدة، أو حتى فرنسا أو غيرها، مثالاً للاقتداء به، فيه ظلم كبير، فهناك مسارٌ تاريخيٌّ لم يتحقق بعد في تركيا، خلافاً للدول المذكورة، وهناك قضايا جوهرية عالقة في طبيعة النظام السياسي في تركيا، ويركّز هؤلاء، بالدرجة الأولى، على مستوى تطور بنية الدولة، وعلاقة المركز بالولايات أو الأقاليم، وطبيعة الدستور والقضاء وتوزع الصلاحيات وتعدّدها وتوازنها، أي مجمل البنيان السياسي الذي يحصن العملية الديمقراطية في البلاد وممارسة الحكم.

في معرض الحديث عن الانتقال من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي في تركيا، ثمّة سؤال جوهري يطرح نفسه، وهو كيف سيكون الحكم في الأقاليم أو الولايات التركية؟ وهل سيتم اعتماد هذا الحكم بمفاهيمه الحقيقية، كما هو الحال في الولايات المتحدة التي تتكون من خمسين ولاية، حيث لكل ولاية حكوماتها وإدارتها ومؤسساتها الخاصة بالولاية؟

وهل سيتم انتخاب حكام الولايات والأقاليم على الطريقة الأميركية أو الأوروبية من الشعب مباشرة، أم أنه سيعينهم الرئيس أردوغان؟ وكذلك الأمر بالنسبة للقضاء والبرلمان، إذ تسمح التعديلات الدستورية للرئيس أردوغان بالتدخل في صلاحيات القضاء، من خلال تعيين 12 قاضياً من أصل 15 هم أعضاء اللجنة القضائية العليا، كما أن الأغلبية في البرلمان التركي هي لحزب العدالة والتنمية الذي يقوده عمليا أردوغان، على الرغم من أن الدستور يحظر انتماء الرئيس لأي حزب سياسي، وتركيبة البرلمان الحالي لا تسمح بالتعددية السياسية الحقيقية، ولا بالحصانة القضائية، ولا بالآليات الدستورية التي تمنع أردوغان من التدخل في كل صغيرة وكبيرة، خلافا للكونغرس الأميركي الذي يتألف من مجلسي النواب والشيوخ، حيث يتمتع الكونغرس، بمجلسيه، بصلاحياتٍ واسعةٍ، وأدوات قانونية، وآليات ودستورية تمنع الرئيس من ممارسة حكم الفرد، كذلك القضاء الذي يستطيع التحرّك في مواجهة الرئيس، وكلنا نتذكّر كيف نجح قضاة فيدراليون أميركيون في إبطال قرارات للرئيس دونالد ترامب، بخصوص حظر مواطني سبع دول من زيارة الولايات المتحدة. وعليه، تبدو المقارنة بين النظام الرئاسي في الولايات المتحدة والانتقال إلى النظام الرئاسي في تركيا غير منطقية، لجهة الوقائع والبنية المدنية والدستورية للدولة. ولعل هذا ما يدفع المعارضة إلى الاعتقاد بأن النظام الرئاسي يشكل خطرا على تركيا، وتعدّد سلطاتها، ويؤسس لحكم شمولي أقرب إلى الدكتاتورية.

في الواقع، بغض النظر عن مبرّرات الداعين إلى النظام الرئاسي، أو الرافضين له، ثمّة وقائع في الحياة السياسية التركية باتت تتحكم بمسار العمل السياسي في المرحلة المقبلة، إذ نجح أردوغان، وبعد نحو 15 عاما من حكم حزب العدالة والتنمية، في إطفاء بريق كمال أتاتورك على المستوى الإيديولوجي، كما نجح في ترويض الجيش والإعلام والقضاء، وغيرها من المؤسسات على مستوى الدولة، وبات يتحكّم في كل مفاصل البلاد ومؤسساتها، بما في ذلك رئاسة الحكومة، صاحبة السلطات التنفيذية الأقوى، وفقا للدستور التركي.

وعليه، السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هو ما حاجة أردوغان إلى النظام الرئاسي، طالما أنه يمارسه على أرض الواقع؟ ربما يقول مؤيد لأردوغان إن جميع السلطات التي سيكتسبها من الانتقال إلى النظام الرئاسي لا تساوي سلطة حاكم عربي. وهذا صحيح، وربما يذهب إلى أبعد من ذلك، عندما يرى أن مفهوم أردوغان للديمقراطية يعتمد على صندوق الانتخاب، وأن النظام الرئاسي سيخفف من البيروقراطية، ويحل الإشكالات القائمة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وهذا كله صحيح، لكن المأمول من التجربة التركية تجاوز كل هذه القضايا إلى تقديم نموذج بشر به كثيرون.

المصدر : العربي الجديد 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى