مقالات

بكر صدقي – عشية الاستفتاء في إقليم كردستان

يزداد الجو توتراً كلما اقترب موعد الاستفتاء على مستقبل الإقليم الكردستاني. الحشد الشعبي يهدد بالحرب، والبرلمان العراقي يرفض إجراء الاستفتاء قائلاً إنه «غير دستوري»، وتركيا وإيران تهددان بالعصا الغليظة، في حين يلجأ آخرون إلى التسلح بالرفض الأمريكي والأممي ليقولوا إن الكرد سيجدون أنفسهم في عزلة دولية، محرومين من أي تأييد.

ثمة انقسام في الصف الكردي نفسه، بين المتمسكين بإجراء الاستفتاء في موعده المحدد والداعين إلى تأجيله. في حين هناك «رأي عام عربي» يطفح خارج الحدود العراقية، ينظر إلى الأمر من منظار أيديولوجي بوصفه «محاولة لاقتطاع جزء من الأرض العربية» وما إلى ذلك من دعاوى عفا عليها الزمن.

الواقع أن قيادة الإقليم قد تجاوزت خط الرجعة بخصوص إجراء الاستفتاء، وأي تراجع عنه أو عن موعده المحدد، الآن، من شأنهما أن يسببا الكثير من الضرر لقضية حق تقرير المصير التي هي لب عملية الاستفتاء. وكل التهديدات أو «النصائح» أو حجب التأييد، من جميع الأطراف المناوئة، إنما هدفها إرهاب الإقليم ليستسلم طوعاً ويتراجع عن تطلعه للاستقلال.

قد يكون صحيحاً أو لا يكون أن التوقيت الذي تم اختياره لإجراء الاستفتاء لم يكن موفقاً، ولكن ليس هذا هو الموضوع. الموضوع أن رافضي استقلال الإقليم سيرفضونه في كل وقت، وتحت كل الشروط، وبمختلف الذرائع. ربما العكس هو الصحيح: أي أن الموعد المحدد في 25 الشهر الجاري، قد يكون آخر فرصة لكرد العراق لتقرير مصيرهم، لأن انتظار استتباب الأمر للحكومة المركزية و»حشدها الشعبي» الذي تمت شرعنته، بعد القضاء على تنظيم «الدولة» (داعش)، يعني إطفاء أي أمل في الاستقلال بصورة سلمية، لأن المتوقع أن يستخدم المركز القوة العسكرية، في استئناف لكل تاريخ العراق الحديث مع مسألته الكردية. ولا أحد يتمنى، اليوم، اندلاع «حرب استقلال» تمتد سنوات من الدم والدموع بلا نتيجة مضمونة.

في حين أن إجراء الاستفتاء في موعده المقرر سيمنح الإقليم ورقة قوية يفاوض عليها الحكومة المركزية، وقد ينتهي الأمر بحلول وسط مرحلية أو بنيل الاستقلال بالتراضي، مع وضع تصور واضح لجميع المشكلات الفرعية القائمة، كوضع كركوك المتنازع عليها، أو عودة النازحين إلى مَواطنهم الأصلية، أو الحقوق الدستورية للجماعات غير الكردية في الإقليم، من عرب وتركمان وآشوريين وغيرهم، أو موضوع النفط، أو العلاقات بين الدولتين العراقية والكردستانية.. إلخ. وهذه تحديات حقيقية ستواجه الإقليم ومشروعه الاستقلالي عاجلاً لا آجلاً. ولا تكفي تأكيدات مسعود بارزاني حول «دولة كردستان غير قومية» ما لم يتم ملء هذا الإطار الغائم بمضامين ملموسة كحقوق مثبتة في دستور الدولة العتيدة.

كذلك، لا يكفي لتبرير مطلب الاستقلال الحقُّ المجرد في تقرير المصير الذي أقرته المواثيق الدولية، بل من المهم أن يقدم مشروع الدولة المستقلة نموذجاً جذاباً بنظامها السياسي، وتأمين الحقوق والحريات للأفراد والجماعات، وغيرها من المعايير الحضارية التي من شأنها أن تهدئ المخاوف الفعلية أو المفتعلة، وتذلل الاعتراضات المحقة وغير المحقة، وتقنع العدو والصديق بجدوى المشروع الاستقلالي، لا بأحقيته وحسب. وهذه أمور لم تكن في أحسن حال في تاريخ الإقليم الفيدرالي الذي مضى على قيامه عقد ونيف، رسمياً، ونحو ربع قرن عملياً.

وتنطوي عبارة بارزاني حول الدولة «غير القومية» على بعد آخر، خارجي أو إقليمي، يسعى لطمأنة تركيا وإيران (وسوريا) إلى أن مشروع استقلال الإقليم لا علاقة له بوضع الكرد في الدول المجاورة، بل يقتصر على كرد العراق ويتحدد بحدود الإقليم العراقي. وهي طمأنة صادقة، بالنظر إلى أن كرد الدول المجاورة تقودهم حركات سياسية مستقلة عن القيادة البارزانية، بل مخاصمة لها (حزب العمال الكردستاني بمختلف فروعه). وإن كانت مخاوف الدول المذكورة الجاثمة على أجزاء أراضي الكرد ناجمة عن «جاذبية النموذج» والسابقة التي من المحتمل أن تلهم الكرد في بلدانها وتشجعهم على المطالبة بالاستقلال.

إن موضوع حصول «أكبر شعب بلا دولة» في العالم على حقه في تقرير مصيره، بعد قرن من إنكاره، تخللته مجازر موصوفة، وهندسة ديموغرافية، وتلاعب بالجغرافية والتأريخ، وصهر قسري (تعريب وتتريك) فشلت جميعاً في طمس هويته وكسر إرادته في الحرية والاستقلال، هو على أي حال مما لا بد من حدوثه، ولا بد من اعتراف العالم به مهما أخرته الحسابات السياسية الدولية. ومن مصلحة شعوب هذا الإقليم أن يتم ذلك بصورة سلمية، حقناً لمزيد من الدماء، وحفاظاً على «عِشرة قرن» من العيش المشترك بين مجتمعات هذه الدول المنكوبة جميعاً لأسباب لا علاقة لها بتطلعات الكرد وحقوقهم المشروعة.

إن من شأن مرور الاستفتاء بسلام، وإطلاق مفاوضات سليمة بين الحكومة المركزية وقيادة الإقليم، وصولاً إلى الطلاق بالتراضي، أن يؤسس لعلاقات حسن جوار يحتاجها عرب العراق وكرده وشعوبه الأخرى. ومن شأن نجاح تجربة الانفصال السلمي هذه أن تفتح أفقاً لتطورات مماثلة في الدول المجاورة، بعيداً عن رهاب «النزعة الانفصالية الكردية» الذي زرعته التيارات القومية البعثية والطورانية والفارسية، وهي التي دمرت، إلى الآن، كلاً من العراق وسوريا، وقد لا تنجو من هذا المصير تركيا وإيران أيضاً، ما لم تغيرا من سياساتهما الشوفينية تجاه الكرد.

المصدر : القدس العربي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى