مقالات

توفيق رباحي – غباء ترامب لا ذكاء السعودية والإمارات!

أسالت إقالة ريكس تيلرسون من على رأس الخارجية الأمريكية من الحبر عربيا مثلما أسالت أمريكيا وربما أكثر.

ما يستوقف في الأمر أن إقالة تيلرسون لا يمكن فصلها عن الوضع العربي وأزماته. وما يستوقف أكثر ادعاءات بعض السياسيين والمثقفين والإعلاميين الخليجيين من أن دولة عربية، أو ربما اثنتين، ضغطتا باتجاه إبعاد تيلرسون، ونجحتا. المقصود السعودية ودولة الإمارات، بسبب الاعتقاد السائد عن انحياز وزير الخارجية السابق إلى قطر في الأزمة الخليجية التي تقترب من إتمام سنة من عمرها.

نظريا، مزاعم الدور السعودي والإماراتي في عزل تيلرسون تستحق رفع القبعة لو تأكدت. ومن المفروض أن تأثير العرب في واشنطن إلى حد الإطاحة بتيلرسون، يجب أن يجعل كل عربي فخورا ومبتهجا بعد عقود من العويل والشعور بالدونية أمام اللوبيات الأخرى، واليهودية بالذات. لكن مهلا، الصورة ليست بكل هذه الوردية. فالسعودية والإمارات، على افتراض أنهما أطاحتا فعلا بتيلرسون، فعلتا ذلك لأنه «حبيب قطر» وليس لأنه «حليف إسرائيل» مثلا! ما يعني أننا لم نخرج بعدُ من حلقة الأدوار التخريبية التي تستهوي حكام الإمارات والسعودية الجدد. ولم نخرج من كارثة أن أكثر أعداء العرب وفتكا بهم هم العرب ذاتهم.

على ضوء هذا الحدث وما أساله من حبر، بات السؤالان التاليان أكثر من ملحين: ألهذه الدرجة أصبح العرب أقوياء ومؤثرين في البيت الأمريكي؟ أم لهذه الدرجة هانت أمريكا فأصبحت دول عربية، لا تملك غير المال والجاهزية الدائمة لشراء السلاح، تؤثر في مصيرها وقراراتها الداخلية؟

كلا السؤالين يحتمل الجواب بنعم: العرب مؤثرون، وأمريكا هانت. لكن الجوابين مرتبطان أحدهما بالآخر، فالسعودية والإمارات تؤثران في السياسة الأمريكية لا لأنهما بارعتان ونافذتان في دوائر صناعة القرار، بل لأن أمريكا أصابها الهوان وتحولت شيئا فشيئا إلى ظاهرة صوتية يمثلها رئيسها دونالد ترامب.

هذا جزء صغير من صورة أكبر تتمثل في أن الغرب، ومنذ أكثر من عقدين، لم يعد كما عرفناه حريصا على المثالية والقيم الإنسانية والأخلاقية. اليوم نحن أمام غرب مختلف يعش ظروفا جعلته يُباع ويُشترى بالمال، ويفرِّط في كل شيء جميل من أجل صفقة سلاح تافهة أو اتفاق تجاري يوفر حفنة من الوظائف إلى حين.

لا غرابة، إذاً، أن يملي ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، شروطه على مضيفيه في العواصم الغربية، ويمتنع عن مقابلة الصحافيين إلا من يضمن أنهم لن يزعجوه بالأسئلة. ففي المقابل لديه لمضيفيه عروض بشراء أسلحة بمليارات الدولارات.

ولا غرابة أن يطلب ولي عهد أبوظبي، محمد بن زايد، أن يكون آخر مَن يلتقي ترامب من القادة الخليجيين، حتى يمسح كل الآخرين. ولا غرابة أن تستجيب الحكومات الغربية لمطالب هؤلاء الناس وتنفذها، لا احتراما لهم، بل حبا في أموالهم وجاهزيتهم للإنفاق على السلاح والخدمات الغربية.

المحصلة، أن ابن سلمان حلَّ في لندن وسط حملة ترويجية في المدينة تجاوزت كلفتها المليون دولار، ولا يلتقي الصحافيين، ولا يلقي محاضرة عامة، ولا يزور أماكن ومواقع غير مصنفة محميات حكومية. الشيء نفسه تقريبا حصل في زيارته الطويلة لأمريكا بعد بريطانيا. ومن غير المستبعد أن يفرض شروطه تلك على أيّ دولة يزورها في المستقبل فيُستجاب له من دون رفة جفن.

في الغرب لا فرق كبيرا بين حكام ومعارضين. الفرق الوحيد هو أن المعارضة تتيح لصاحبها حرية الانتقاد والتعبير عن السخط، طالما ليس في الحكم. وما أن يصل إلى الحكم حتى يكتشف واقعا آخر وقيوداً تمليها المصالح الأمنية والاقتصادية العليا، فينصاع بلا مقاومة. يكفي أن نعود إلى تصريحات دونالد ترامب قبل ثلاث وأربع سنوات لنرى اللغة التي كان يصف بها السعودية ودول الخليج، وننظر إلى موقفه اليوم لنكتشف حجم النفاق و«الحربائية»!

كما لا تغيّر المؤسسات الدستورية والديمقراطية كالبرلمانات الكثير من هذا الواقع، لأن جهودها تصطدم بغول لا يُرى اسمه المصالح العليا للبلد. يكفي هنا أن نتذكر كيف وقفت بريطانيا كلها، بصحافتها وبرلمانها ومجتمعها وأكثر من نصف أعضاء حكومتها ضد المشاركة في غزو العراق عام 2003، ورغم ذلك مضى توني بلير متجاوزاً كل الحواجز والمطبات ليكون شريكا رئيسيا في تلك الحرب الملعونة.

إذا كان لا بد من عبرة هنا، فهي أن منطق القوة هو الأقوى، ومنطق «المصلحة الوطنية» هو الأسمى. الباقي مقبول أن يكون موجوداً، لكنه ممنوع من أن يعيق دوران عجلة المصلحة العليا التي تحددها وتسهر عليها لوبيات السياسة والاقتصاد وصناعات السلاح والمال.

مهم التذكير بأن الغرب لم يهن فقط أمام بعض العرب الأثرياء. هناك روسيا التي أهانت زعامة هذا الغرب، الولايات المتحدة، ولا شك أنها تمسك على رئيسها أسرارا خطيرة تجعله ضعيفا ومهزوما لا يمكنه قول كلمة سوء واحدة في حق روسيا.

وهذا دليل آخر على أن القصة كلها في هوان الغرب لا قوة العرب! واستطرادا «التغلغل العربي» المزعوم في البيت الأبيض، حتى لو تأكد، هو مؤقت ومزاجي وهشٌّ. وهو ثمرة ظروف أوجدها ترامب، لا عمل طويل دقيق وصبور وفي العمق.

المصدر : القدس العربي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى