مقالات

كمال عبد اللطيف – متى تُرْفَع الغمّة السورية؟

لم يكن متصورا، في الأشهر الأولى لاندلاع الانفجارات السياسية العربية سنة 2011، أن الحالة السورية ستُنتج التداعيات الحاصلة اليوم، على الرغم من معرفتنا ببعض جوانب جبروت النظام، وتقديرنا التأثير المحتمل لطبيعة السياقات والشروط التي أطرت أفعال الانفجار في المجتمع السوري. وفي سياق تطور الأحداث، المؤلم في ما يقع هو التكالب المتواصل للقوى الإقليمية والدولية على شعبٍ أعزل، يعاني من سطوة نظامه المستبد، ومن حربٍ بالوكالة تمارس فيها أبشع صور القتل والدمار والتهجير، بمشاركة قوى دولية وإقليمية متواطئة، ومنظمات أممية متفرّجة.

لم تكن معارك الثورات العربية الأخرى سهلةً، لا في تونس ومصر واليمن ولا في ليبيا والمغرب.. كما أنها لم تكن متشابهةً، على الرغم من وحدة الأفق الذي حرّكها ومنحها الشعارات التي تغنت بها. ولم تنتُج عنها ردود فعل واحدة من الأنظمة السياسية في أثناء مواجهتها لها، إلا أن مآل الثورة السورية عرف تحولاتٍ عديدة، شملت مختلف أطرافها المتصارعة، لتضعنا اليوم أمام المأساة السورية.

نزداد تأكّدًا مما أشير إليه، عندما نُعَايِن طبيعة الضربة الأميركية الأوروبية أخيرا على مواقع للنظام (مرافق بحثية وعسكرية)، ردا على استخدامه أسلحة كيميائية في منطقة دوما في الغوطة الشرقية في ريف دمشق. وقد ترتب عن الموقف الأميركي ما يعزّز أولا، وقبل كل شيء، مواقع النظام المستبد الذي يعرف الجميع أنه لم تعد له أية علاقة بالسوريين وتطلعاتهم التي تتغنّى، منذ عقود، بالحرية والديمقراطية.

يتواصل اليوم في سورية العنف الاستعماري الروسي، وكذا التوسع الإقليمي الإيراني، وتُرَتَّب في قلب المأساة الحسابات التركية في موضوع الأكراد، وفي الموضوعات الأخرى المحدّدة لعلاقاتها الجديدة بروسيا، وكذا علاقاتها بكل من أميركا والغرب الأوروبي. كما تُرتب مواقف أميركية سعودية في موضوع التوسّع الإيراني. ويزداد الأمر تعقيدا عندما نستحضر، إضافة إلى ما سبق، كيفيات نظر إسرائيل إلى ما يقع اليوم في سورية، أو نفكر في الدور الذي تقوم به القوى الكردية المدعومة من أميركا، أو نتساءل عن طبيعة الوجود الأميركي قرب الحدود الأردنية الفلسطينية، ومن دون إغفال واقع الشعب السوري وثورته المحاصرة.

تنجز أميركا هجومها بشراكة فرنسية بريطانية، وبحساباتٍ مختلفة، بمحاذاة الثلاثي الروسي الإيراني التركي، وحساباته المختلفة أيضا، لتؤكد أنه لا علاقة لكل ما يقع في قلب المأساة السورية لا بمآسي الشعب السوري، ولا بمطلب إسقاط النظام، فقد استهدف الهجوم رفض الهيمنة الروسية على سورية، ورفض مقترحات القوى الثلاثية التي تتآمر اليوم، وبصورة مكشوفة، على سورية.

أصبح واضحا، بعد أزيد من سبع سنوات على اندلاع الأحداث السلمية الأولى للثورة، أن رقعة المصالح والحسابات والمعارك اتسعت، وعرفت تحولاتٍ عديدة، فأصبحنا في النهاية أمام خرائط جديدة، وقضايا لم تكن منتظرة. ولو شئنا إعادة تنظيم المشهد الذي يجري اليوم أمامنا، لوجدناه مركبا، يصعب تفكيكه في الوقت الراهن على الأقل. والإشارة هنا إلى استمرار وجود الخلايا الداعشية بجوار الوجودين، الأميركي والروسي، ثم تركيا وإيران وحزب الله.

وفي مقابل ذلك، وبمحاذاته، ثمّة تشكيلة من المعارضة، تضم أطيافا سياسية ومليشيات عسكرية كثيرة، بعضها من مُنتجات سياق انفجار الأحداث في أشهرها الأولى، وكثير منها يذكّر بعمر القهر الذي عمر طويلا في سورية. وقد ترتب عن كل ما سبق نعت فصائل المعارضة بنعوتٍ مماثلةٍ لنعوت النظام، على الرغم من أن كثيرا من عِلَل المعارضة أنتجتها السطوة الجهنمية لنظام عمّر واستقر، مُعلناً الممانعات المتوّجة بتوريث السلطة. اختلطت الأوراق بصورة مدروسة، وتنافست القوى الصانعة لتطورات الحدث في كسب مواقع ومواقف. كما واصل النظام عملية بيع أرضٍ وبقايا شعب لكل من يمنحه بقاء يوم إضافي حاكما لأرضٍ يملأها مرتزقةٌ من كل لون.

وإذا كان مؤكّدا أن أغلب القوى المهَيْمِنَة على الفضاء السوري تتجه إلى خدمة أجنداتٍ ومصالح تتيح لها مواصلة ترسيخ مواقع أقدامها داخل المجال الجغرافي السوري، فإن التلاحق السريع للأحداث والمآزق يُبرز أن الوضع السوري يزداد تعقيداً. والقيود المفروضة اليوم على الشعب السوري في وطنه، من نظامٍ أصبحت له مهمة واحدة، قتل وتهجير أهله.. ووسط هذه الغُمَّة، نتساءل: من ينصف الشعب السوري ويرفع كُربته؟

تدّعي الأطراف المتصارعة مجتمعةً أنها مع حل سياسي للقضية. ولا أحد ممن أصبحوا طرفا فيما جرى يعتبر نفسه معنيا بالشعب السوري ومآسيه، فتتضاعف الغُمّة وتضيق السُبل.. لنتساءل مرة أخرى في النهاية، من يستطيع تخليص الشعب السوري من الجحيم الذي يملأ أرضه وسماءه؟

المصدر : العربي الجديد 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى