مقالات

مروان قبلان – اعتياد تجرع السم

أعلن الزعيم الإيراني، آية الله الخميني، في أغسطس/ آب 1988، عن تجرّعه كأس السم، والموافقة على قبول وقف إطلاق النار في الحرب مع العراق، من دون تحقيق النصر الذي كان وعد به أنصاره، والمؤمنين برسالته، على الرغم من التضحيات الكبيرة التي بذلوها في سبيل ذلك (نحو 700 ألف قتيل تقريبا). بعد ثلاثين عاماً بالضبط، توشك إيران، على لسان خليفته، ومرشد ثورتها، المستمرة من دون انقطاع منذ 40 عامًا، أن تتجرّع من الكأس نفسه، إنما في سورية هذه المرة.

تمثل سورية واسطة العقد، والحلقة الذهبية في محور “المقاومة” الإيراني، بحسب مستشار المرشد علي أكبر ولايتي، وخط الدفاع الأول عن طهران، بحسب رئيس استخبارات الحرس الثوري، مهدي طيب. ومنذ عام 2011، ضاعفت إيران حجم استثماراتها في سورية، فألقت بثقلها وراء النظام، وأمدّته على الترتيب بحزب الله، ثم بفرقٍ من الحرس الثوري، قبل أن ترسل إلى دعمه بوحدات كوماندوس من الجيش الإيراني (لواء 65) المسمّى “القبعات الخضر”. وكانت تلك المرة الأولى، منذ الحرب مع العراق، ترسل فيها إيران قواتٍ نظامية خارج الحدود. وعندما لم يجد ذلك كله نفعا، جنّدت إيران آلاف المرتزقة الأفغان والعراقيين والباكستانيين وغيرهم، وزجّتهم في أتون الحرب السورية.

أما اقتصادياً، فقد أنفقت إيران، وفقاً للمبعوث الأممي إلى سورية، ستيفان دي ميستورا، ما يقرب من ستة مليارات دولار سنويا على الحرب في سورية، (قدرت الفايننشال تايمز حجم الدعم الاقتصادي الإيراني للنظام السوري منذ عام 2012 بـ16 مليار دولار، خلاف الخطوط الائتمانية التي قدرتها بـ4.6 مليارات دولار). على الرغم من ذلك كله، توشك إيران أن تخرج من حلبة الصراع السورية صفر اليدين. لا بل أنها لم تتمكّن حتى، بحسب تقرير أخير لصحيفة الفايننشال تايمز، من انتزاع ولو عقد واحد من عقود إعادة الإعمار التي غدا الروس يتحكّمون بعطاءاتها كلياً.

على أن الفشل في قنص جزء من كعكة إعادة الإعمار السورية لن يكون أكبر هموم طهران في هذه المرحلة، على وقع الأنباء التي تتوارد تباعاً عن صفقةٍ توشك أن تبرمها موسكو مع واشنطن، بخصوص إخراج إيران من سورية. يحصل هذا فيما تستعر الخلافات داخل النظام بشأن المسؤول عن خسارة الاستثمارات الإيرانية الكبرى في “الهولوكوست” السورية. وفي مقابل اللوم الذي يوجه إلى جناح روحاني – ظريف (الرئيس ووزير الخارجية) عن الفشل في قطف نتائج الاتفاق النووي بعد انسحاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، منه، يوجه هؤلاء لوما لا يقل شدةً إلى جناح قاسم سليماني – علي أكبر ولايتي (قائد فيلق القدس ومستشار المرشد)، باعتبارهما المسؤولين عن استدعاء “الدب” الروسي إلى “الكرْم” الإيراني في سورية.

ملامح الصفقة التي كشف تفاصيلها ديفيد أغناطيوس في صحيفة واشنطن بوست بدأت بتفاهمات روسية – إسرائيلية بشأن الجنوب، انجرت إليها الولايات المتحدة لتشمل مناطق أخرى من سورية، وناقشها مستشار الأمن القومي الأميركي، جون بولتون، في زيارته أخيرا موسكو، على أن يتم إشهارها رسميا في القمة التي تجمع الرئيسين بوتين وترامب في هلسنكي في 16 يوليو/ تموز الجاري.

تشتمل الصفقة على مرحلتين: تتضمن الأولى إبعاد القوات الإيرانية والداعمة لها مسافة 80 كلم من الحدود بين سورية والجولان المحتل. في مقابل سماح إسرائيل لجيش النظام باستعادة السيطرة على كامل جنوب غربي سورية حتى الحدود مع الأردن والجولان المحتل. في الأثناء، تسمح روسيا لإسرائيل باستهداف المواقع الإيرانية التي تشكل خطرا عليها في أنحاء سورية، شرط عدم إلحاق أي ضرر أو أذى بالقوات الروسية ومنشآتها العسكرية. أما المرحلة الثانية، والتي قد يستغرق تنفيذها 18 شهرا، فيتم خلالها سحب القوات الأميركية من شرق الفرات ومنطقة التنف في جنوب شرقي سورية، على أن يؤدي ذلك إلى خروج كامل للقوات الإيرانية ومليشياتها من جميع أنحاء سورية.

إذا تمت الصفقة، فهذا يعني أن إيران قد قُذف بها خارجا في صراع الضواري على سورية، ولم يعد أمامها، وإن أبدت مقاومةً إلا أن تتجرّع كأس السم مضاعفةً، وهي ترقب كيف اتفقت شريكتها روسيا مع السعودية على تقاسم حصتها النفطية، بمجرد أن تغيب بفعل العقوبات الأميركية المرتقبة، على أن هذا لن يكون أيضا الكأس الأخير.

المصدر : العربي الجديد 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى