مقالات

توفيق رباحي : حرب عالمية ثالثة على الأبواب

ليس من المجازفة في شيء القول إن البشرية تعيش أسوأ وأخطر ايامها منذ الحرب العالمية الثانية. ليس فقط من حيث حجم الخوف والهلع المستبدان بالناس في أكثر من بلد وأكثر من قارة، وانعكاس ذلك على حياتهم اليومية واسفارهم وتجارتهم وأعمالهم، بل أيضا من حيث نوع الأسباب التي تؤجج الصراع، والنطاق الجغرافي الذي يمتد له هذا الصراع والذي لا يكاد يستثني غير أمريكا اللاتينية.

كانت الحربان العالميتان الأولى والثانية مدفوعتين بأسباب الهيمنة والتفوق والتسلط. وكانت الحرب الباردة في النصف الثاني من القرن الماضي لدواع أيديولوجية دنيوية مادية تحتمل الجدل والتنازل.

كانت الحربان العالميتان والحرب الباردة بين دول وحكومات ومنظومات حكم وسياسة.
كان كل شيء «في اليد» ومقدوراً عليه. اليوم يعيش العالم صراعا أيديولوجيا عقائديا معقداً، يحتمل بصعوبة المنطقة الرمادية والجدل. صراع بين ديانات وثقافات تتوافق نظريا لكنها تتناحر عمليا. صراع بين أفكار ومجتمعات تجتهد في البحث عمّا يفرقها، ولا سيطرة مطلقة لمنظومات الحكم عليها.

من شارلي إيبدو بباريس قبل ستة أسابيع إلى كوبنهاغن قبل يومين، مروراً بتشابل هِل في نورث كارولاينا والطيار معاذ الكساسبة في مكان ما من جغرافيا الخلافة الإسلامية وليبيا، كثير من الدماء وتأسيس لعقود واجيال من الأحقاد والبغضاء. كل تلك «الأحداث» كانت عناوين واقع حاضر مخيف ومستقبل داكن وأكثر إثارة للخوف.

كلها عناوين لا تترك أي مساحة للحديث عن حوار الحضارات والتقارب بين الشعوب، وتجعله ترف كلام، وربما جنونا، يرد على لسان نُخب في ندوات ومؤتمرات سرعان ما يمحيه صوت الرصاص والدم الأحمر القاني المُراق في كل مكان.

هناك ما يشبه المساواة أو التساوي في القتل وفي الرغبة فيه. وهناك مساواة في مخزون الحقد والكراهية، المعلن منه والمستتر. لكن لا توجد مساواة في قيمة الروح البشرية، ولا مساواة في التنديد بالقتل ورفضه. لأن فئة من الفئتين، معسكر من المعسكرين، الذي يمسك بأدوات التعبير والاحتجاج يفرِّق بين الضحايا ويميّز تمييزا سلبيا فاضحا بينهم. ويصر على تذكير العالم بأن الإرهاب اختصاص شرقي مسلم إسلامي (سمِّه ما شئت)، وبأن روح الإنسان الغربي أغلى ودمه أنقى، وبأنه الأول والأخير، وغيره وما بعده لا شيء.

قـُتل صحافيون وموظفون بمجلة شارلي إيبدو فاهتزت الدنيا وشدَّ رؤساء وملوك رحالهم إلى باريس حتى قبل أن يخاطبهم احد مثلما فعل معتوه ذات يوم من واشنطن: إذا لم تكونوا معنا فأنتم ضدنا!
قـُتلت فتاتان وشاب في ربيع العمر يمثلون كل ما هو جميل ومضيء في الولايات المتحدة، فلم تتحرك قوافل البعثات الصحافية. غُطيت «القضية» إعلاميا بأعلى مستويات الإهمال والتبخيس. لم تُنصب خيم المراسلين المرابضين ليلا ونهارا في برد يشل سريان الدم في العروق. لم يسأل أحد. ولم يتألم أحد. ولم يتظاهر أحد. ولم يندد أحد. لا من معسكرنا ولا من معسكرهم.

فعَـلَ الرئيس باراك اوباما متأخراً قرابة ثلاثة أيام. وفعلت السعودية متأخرة خمسة ايام. ونسيت دول وحكومات أخرى مِن التي تسابق رؤوسها على الصفوف الأولى في تظاهرة باريس الشهر الماضي المنددة بجريمة شارلي إيبدو، بل تناست لأن الأمر لا يعنيها! لأنها تدرك ان لا أحد من صف ضحايا تشابل هِل سيسأل: هل أنتم معنا أم معهم؟
لولا بضع مئات من طلاب جامعة نورث كارولاينا وأصدقاء الضحايا وأصدقاء اصدقائهم لدُفنوا في سرية.

ثم يسألون أسئلتهم الحمقاء من نوع: لماذا كل هذا الحقد تجاهنا؟ لماذا طالبان؟ لماذا «داعش»؟ لماذا الأخوان كواشي؟ الجواب: لأنكم تمعِنون في إهانة خصمكم حتى وهو منهزم، والشرائع السماوية والدنيوية تمنع التنكيل بالمهزوم، وتحرّم إهانته. بل تحض على الإحسان إليه. يكفي أنه منهزم.

الحل؟ يجب أولا الاتفاق هل بقي على هذه الأرض عقلاء. إذا افترضنا بأن الجواب نعم، يمكن الحديث عن حل: العالم بحاجة إلى هدنة تفرضها وتقننها «حالة طوارئ عالمية» تعيد عقارب الساعة إلى صوابها، وتساوي بين الناس، أحياء وجثث، في الشرق والغرب، بيض وسود، نساء ورجال، مؤمنون (بغض النظر عن بماذا يؤمنون) وغير مؤمنين. حالة طوارئ تفرض مساواة صارمة بين قطرات الدم، وتجرّم التطاول على المقدسات حتى لو كانت حجراً.

هذا وحده من شأنه أن يؤخر قليلا فيضان أنهار الحقد ويُبعِد بعض الشيء حربا عالمية ثالثة مختلفة ومخيفة، على الأبواب.
أخطر ما في هذه الحرب انها متعددة الأطراف ومفتوحة الجغرافيا، وبأنها لا تقوم على مصالح مادية أو هيمنة ونفوذ وحدود برية وبحرية. بل دوافعها روحية لاهوتية عندما تحضر يغيب العقل.

حرب متعددة الاضلاع.. مسلمون ضد الغرب، مسلمون في «بلاد الإسلام» ضد مسلمين، غرب ضد مسلمين في «بلاد الكفر»، مسلمون ضد الغرب في البلاد نفسها، غرب ضد مسلمين في «بلاد الإسلام».

باختصار هي وصفة مثالية لأنهار من الدماء والاشلاء، وقرون من الأحقاد. وصفة لا تترك إلا الدعاء للأجيال القادمة.

القدس العربي _ وطن اف ام

زر الذهاب إلى الأعلى