حلبمقالات

بشير البكر – سورية.. تقاسم روسي إيراني

تتطوّر استراتيجية روسيا في حلب على نحو سريع جداً، من الضغط لفتح طرق خروج للمدنيين إلى المطالبة بمغادرة مقاتلي جبهة النصرة المدينة، ثم إلى انسحاب جميع مقاتلي المعارضة، وأخيراً إجلاء سكان الشطر الشرقي البالغ حوالي 300 ألف، الأمر الذي يصبّ في إطار ترتيباتٍ باتت جاريةً على الأرض، تقوم على تقاسم سورية بين روسيا وإيران، تكون الحصة الكبيرة فيها للطرف الروسي الذي تولى مهمة إنقاذ النظام من الانهيار، حين تدخّل قبل حوالي عام.

وحدها روسيا تصول وتجول في الساحة. ولم يعد النظام السوري وحليفه الإيراني يمتلكان حق الحديث بحريةٍ تامة، طالما أن هناك من يتولى العملين العسكري والدبلوماسي. في مجلس الأمن، يتحكّم المندوب الروسي، فيتالي تشوركين، في مجرى كل المفاوضات، ومنذ بدء الثورة السورية، رفع يده بالفيتو ست مرات، من أجل تعطيل قرارات دولية، كان من بينها ما يدعو إلى إدخال الحليب والخبز. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنه لم يعد هناك أي فرن لإنتاج الخبز في شرقي حلب منذ 15 يوماً، ومن بقوا على قيد الحصار هناك يتدبرون أمورهم بوسائل بدائية جداً.

على المستوى العسكري، يتحكم الطيران الروسي في مجرى العمليات، فهو الذي يؤمّن التغطية الناريّة الأساسية، ويفتح الطريق أمام القوات الأرضية، ويجري الحديث، هنا، عن أمر جديد، هو بدء سيطرة الروس على المليشيات المقاتلة، وهناك من يؤكد أن لواء القدس في حلب الذي كان يعتمد على إيران، مالياً ولوجستياً، صار في عهدة الروس بصورة تامة، ولا ينفصل عن ذلك مشروع إنشاء الفيلق الخامس من متطوعين برواتب مغرية، يدفعها الروس بالدولار.

ويقول خبراء يتابعون الشأن العسكري إن الروس لا يعتمدون على جيش النظام، ولا يثقون بأجهزة استخباراته. ولذا، أجروا تغييراتٍ واسعةً في أجهزة الأمن، بما فيها الحرس الخاص لبشار الأسد الذي كان يتولاه الإيرانيون، واستبدلوا قائد الحرس الجمهوري، اللواء بديع علي، بطلال مخلوف، وبدل رجل بشار الأسد، علي مملوك، صاروا يعتمدون أمنياً على اللواء ديب زيتون، رئيس الاستخبارات العامة. وقد شرعوا بتعزيز وجودهم في مايو/أيار الماضي، عن طريق بناء قاعدة عسكرية جديدة في تدمر، وهو أمر كشفته منظمة أميركية للمحافظة على التراث، ونشرت المدرسة الأميركية للأبحاث الشرقية ومبادرات التراث الثقافي صورا التقطتها أقمار صناعية، تُظهر أعمال البناء القائمة على حدود موقع أثري دمره داعش.

وقال الباحث مايكل دانتي، إنّه لم يكن متوقعاً أن يبني الروس قاعدة عملياتٍ متقدمةٍ على جزءٍ من مواقع التراث العالمي التابعة لليونسكو، وحذّر من أنّ الآليات الثقيلة ومواقع الأنظمة المضادة للطائرات والمناطق المخصصة لناقلات الجند تقوم بتعديلاتٍ في الموقع.
كان الظن أن الروس سوف يدعمون النظام من أجل تغيير موازين القوى، لفرض حل سياسي يُبقي بشار الأسد، رغم أنف المعارضة والمجتمع الدولي، غير أن الموقف تغيّر، وصارت التقديرات تتحدّث عن انتداب على سورية المفيدة التي عمل النظام والإيرانيون على أن تقتصر على المدن الكبرى، والتخلي عن الأرياف والصحارى. ولن يتأخر تطور المجريات عن كشف خريطة سياسية اقتصادية، تقوم على السيطرة على مصادر الثروات من جهة، وضمان أمن إسرائيل من جهة ثانية، ويجري فيها توزيع النفوذ، بحيث يصبح الشطر الجنوبي الغربي تحت سيطرة الحرس الثوري الإيراني وحزب الله، والقسم الشمالي الغربي وتدمر تحت سيطرة الروس الذين سيحتفظون بالقسم الأكبر، وتكون لهم سلطة القرار.

باتت المعارضة السورية على وعيٍ بما يحصل، لكنه وعي متأخر، لا يستطيع أن يقدّم أو يؤخّر، وتقدر أوساط المعارضة أن الولايات المتحدة على إدراك لهذا المخطط، وغير مكترثة به. ولذلك، كان مندوبها، مايكل راتني، ينصح “الائتلاف” بضرورة التفاهم مع الروس.

المصدر : العربي الجديد 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى