حلبمقالات

ثائر الزعزوع – عار حلب إذ يلطخ وجه الإنسانية

لم تخلُ تصريحات وتعليقات المسؤولين الدوليين والعرب من مفردة العار لوصف المأساة التي تجري هناك في حلب، كما أنهم لم يخفوا عجزهم وقلة حيلتهم أمام العنجهية الروسية التي تجاوزت كافة الأعراف والقوانين الدولية، وقررت المضي في تدمير المدينة واستباحتها، ولم تستجب لنداءات الدول ولا لاستغاثات المحاصرين، ومعظمهم من الأطفال والنساء، والذين لفظ الكثيرون منهم أنفاسهم الأخيرة، إما نتيجة القصف المتواصل، وإما جراء عمليات الإعدام الجماعية التي نفذتها قوات بشار الأسد أو ميليشيات طائفية موالية لها تتحرك تحت الغطاء الروسي نفسه.

عار الإنسانية الذي يتحدث عنه العالم اليوم، قد يتم نسيانه غداً أو بعد غد على أقصى تقدير، أي ما إن يبدأ السكان المحاصرون بالخروج من المدينة والتحول إلى أماكن أكثر أمناً، في ريف حلب الغربي، أو في محافظة إدلب التي تحولت إلى خزان بشري هائل بعد أن توافد إليها نازحون ومهجرون من شتى المناطق السورية، سواء أولئك الذين هجّرهم تنظيم داعش، أم الذين هجّرتهم قوات النظام وحلفاؤها بصفقات خروج تشبه كثيراً ما يحدث في حلب، بحيث يتم إخلاء المدينة من مظاهر الحياة فيها بعد حصارها وتدميرها على رؤوس ساكنيها، وهو السيناريو الذي حدث من قبل في حمص القديمة منتصف عام 2014، ومن بعده في مدن الزبداني وداريا.

وإذا كان السوريون، الذين لن يستطيعوا بسهولة تقبل مأساة بحجم المأساة التي حصلت في مدينة حلب، قد أجمعوا على توجيه اللوم إلى قادة الفصائل الذين لم يوحدوا جهودهم لمواجهة ما يصفونه بالغزو المغولي لمدينة حلب، وخاصة الفصائل الإسلامية منها، والتي انشغلت بخلافات ثانوية تسببت في ضياع المناطق منطقة تلو الأخرى، دون أن يكون ثمة رد فعل مناسب على الأرض، على الأقل ضربات توجع “الغزاة” وتؤخر تقدمهم ريثما يتمكن المدنيون من الخروج بأمان، بدل الوصول إلى حالة الانغلاق وتعريض عشرات الآلاف من المدنيين للإبادة، ثم اضطرارهم في آخر المطاف إلى توقيع صك استسلام ومغادرة المدينة بسلاحهم الخفيف، فإن ذلك اللوم محق إلا أنه يغفل أن تلك الفصائل لا تمتلك سلاحاً قادراً على مواجهة القصفين الصاروخي والجوي اللذين انهمرا على المدينة في جزئها الشرقي، وأن معظم أسلحتها كانت معدة للمواجهات المباشرة على الأرض وهذا ما لم يحدث ولن يحدث مستقبلاً، كما تشي بذلك طبيعة التفكير الروسي الذي يفضل الإبادة على أي خيار آخر، ويعتبرها حلا نموذجيّا لمعالجة الاستعصاءات التي قد تورطه بها قوات نظام دمشق والميليشيات الطائفية المتحالفة معها، والتي تظهر بعد زوال الخطر لتنفذ عمليات الإعدام والسلب والنهب تماماً كما يفعل عناصر تنظيم داعش.

كما يحمّل السوريون المجتمع الدولي والأمم المتحدة، على وجه التحديد، جزءاً كبيراً من المسؤولية بسبب عجزها عن تقديم أي مساعدة تمكن المحاصرين من الصمود وقتاً أطول، علماً أن المنظمة الدولية كانت قد أبدت عجزها صراحة، ولم تقدم وعوداً من أي نوع بسبب ما وصفه كبار موظفيها بالرفض الروسي السوري، وبأنها لا تستطيع المخاطرة والدخول دون أن تأخذ الضوء الأخضر من القوى الفاعلة في المشهد، طبعاً هذه التبريرات لا تعفي الأمم المتحدة من كونها تقاعست عن القيام بواجبها، لذلك فهي بدورها تصف ما حدث في حلب بالعار، بعد أن كانت وصفته في أوقات سابقة بالجريمة التي تتحمل مسؤوليتها البشرية جمعاء.

لكن ماذا عن المستقبل وماذا بعد حلب؟ وأي عار جديد ينتظر المجتمع الدولي أن يخرج ليعترف به على العلن لاحقاً؟

كل الدلائل تشير إلى أن محافظة إدلب ستكون الوجهة المفضلة للقوات الروسية ولقوات النظام وللميليشيات التي تتحرك بتوجيهات إيرانية، إذ أن موضوع طرد تنظيم داعش من الرقة لا تتم مناقشته على الإطلاق، وقد أبدى المبعوث الدولي إلى سوريا ستيفان دي ميستورا تخوّفه من أن تكون إدلب هي الوجهة المقبلة، وهذا ما يمكن أن يحدث، بسبب قرب المدينة جغرافيّا من محافظة حلب، وإمكانية حصارها لاتصالها بمناطق في ريف حماه، بعضها خاضع لسيطرة قوات النظام.

فهل تواصل الفصائل المسلحة حالة التخبط التي تعيش فيها، والتي أوصلت الثورة إلى هذا الطريق المسدود، أم أن درس حلب قد يدفعها إلى التخلي عن بعض الجماعات المتطرفة في صفوفها، والدفع باتجاه قيادة عسكرية مشتركة تكون قادرة على تمثيل الشعب السوري وثورته التي لم يبق منها الكثير؟ وهل سيعمل المجتمع الدولي على تجنب عار جديد يضاف إلى سجله الملطخ بالسواد؟

تبدو جميع هذه الأسئلة معلقة ودون إجابات، لكن المؤكد أن هزيمة حلب لن تنهي الثورة السورية، لكنها قد تتمكن من تعويم بشار الأسد حاكماً على الخراب.

المصدر : العرب 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى