حلبمقالات

د.عصام نعمان –  توجهات ما بعد حلب:بوتين لاستئناف المفاوضات وترامب لمناطق آمنة ومتابعة الحرب

كيف سيكون الوضع في سوريا والإقليم بعدما تمّ تحرير حلب من تنظيمات الإرهاب؟
سؤال كبير بحاجة إلى وقت طويل لإيجاد جوابٍ وافٍ عنه. ما يمكن قوله الآن أن خروج معظم تنظيمات الإرهاب من حلب بمواكبة روسية وتركية، يشير فقط إلى ملامح لما سيكون عليه الوضع، بانتظار المزيد من المؤشرات والتحركات التي تشي بالمرامي الحقيقية لأطراف الصراع.

لعل أول المؤشرات البازغة أن الاتفاق على إخلاء المدنيين والمسلحين كان نتيجةَ مفاوضات روسية – تركية بمعرفة السلطات السورية. أما المحادثات التي آلت إلى التفاهم على إجراءات تنفيذ الاتفاق فكانت سورية – سورية، بمعنى أنها جرت بين «وسيط» مدني سوري، الشيخ عمر رحمون، والمسؤول العسكري لحركة «أحرار الشام» في حلب الفاروق ابو بكر. كِلا الوسيطين تحرّكا بمتابعة حثيثة من ضباط سوريين، كما من مسؤولي فصائل إرهابية غير خاضعة لـ»جيش فتح الشام».

تعثرت المحادثات بين الوسيطين نتيجةَ شرطين أصرّ عليهما طرفان اساسيان: تركيا، ومن ورائها الولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي «الناتو» من جهة، والحكومة السورية بدعم من روسيا من جهة اخرى. تركيا وامريكا اشترطتا أن يتضمن الاتفاق تسهيل نقل نحو 150 ضابطاً أطلسياً (بينهم ضباط أمريكيون واتراك) عالقين في شرق حلب إلى الحدود السورية – التركية. أما الحكومة السورية فقد اشترطت تأمين خروج عشرات الجرحى والمرضى والمسنّين من الرجال والنساء من كفريا والفوعا المحاصرتين إلى مناطق سيطرة الجيش السوري. وكان أن تكفّلت تركيا بتأمين خروج الضباط الأطلسيين ونقلهم إلى اراضيها، فيما تكّفل ضباط روس عاملون في سوريا بخروج الجرحى والمسنّين من كفريا والفوعا وتسليمهم للجيش السوري فور البدء بتنفيذ العملية.

هذا التعاون الوثيق بين موسكو وانقرة لتظهير الاتفاق، ومن ثم لرعاية تنفيذه على الارض أشّر ويؤشر إلى وجود اتفاق بين الطرفين على خطوات سياسية لما بعده. بالفعل، لم يتأخر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن الاعلان، خلال زيارته طوكيو، أن بلاده تدعو إلى العمل لوقفٍ لإطلاق النار يشمل الاراضي السورية كلها، كما إلى استئنافٍ للمفاوضات بين السوريين انفسهم، أي بين الحكومة السورية وفصائل المعارضة السورية غير المسلحة. اكثر من ذلك، أعلن بوتين أن موسكو وانقره تقترحان اتخاذ مدينة استانة، عاصمة كازاخستان، مقراً لمفاوضات سورية – سورية مرتقبة من دون اعتبارها بديلاً من جنيف.

الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا استشعرت مخاطر التقارب بين روسيا وتركيا واتفاقهما على إجراءات مقاربة متناسقة للوضع السوري بعد انتهاء الحرب في حلب. لذلك سارع الرئيس الأمريكي المنتخب دونالد ترامب إلى الاعلان عن تأييده إقامة مناطق آمنة بتمويل خليجي داخل سوريا، من أجل احتواء اوضاع المدنيين. هذا الاعلان فسّره محللون سوريون بأنه مجرد رشوة سياسية لتركيا من أجل مشاركة الولايات المتحدة في الضغط على سوريا، سياسياً وعسكرياً، بغية تطويق مفاعيل انتصارها الاخير في حلب، وذلك بمتابعة الحرب لدعم المركز التفاوضي لفصائل المعارضة السورية. مع العلم أن المناطق الآمنة اقتراح قديم لحكومة اردوغان في سياق خططها السياسية والميدانية لمواجهة محاولات القوى الكردية، السياسية والعسكرية، الرامية إلى ربط مناطق سيطرتها في محافظة الحسكة شمال سوريا الشرقي بمنطقة سيطرتها في عفرين شمال سوريا الغربي.

الى ذلك، ثمة طرفان اقليميان قلقان من مفاعيل تحرير حلب على مصالحهما الامنية والسياسية. بعض دول الخليج، بقيادة السعودية، دعا عبر اجتماع طارئ لجامعة الدول العربية إلى ادانة قسوة القوات السورية في قصفها المدنيين في احياء حلب الشرقية. فوق ذلك، أبدت دول الخليج قلقها لعدم استشارتها في مسألة مستقبل سوريا، قبل وقف اطلاق النار المرتقب تمهيداً لمباشرة مفاوضات الحل السياسي.

«اسرائيل» قلقة ايضاً من مفاعيل إخراج التنظيمات الإرهابية من حلب لكونها ترفع معنويات الرئيس بشار الأسد وتصلّب تصميمه على تحرير سائر المناطق الواقعة تحت سيطرة «داعش» وحلفائه. وقد عبّر البروفسور إيال زيسر، الأكاديمي والباحث في «معهد ديان لدراسات الشرق الأوسط وأفريقيا»، عن قلق «اسرائيل» وخيبتها بقوله : «إن انتهاء الحرب في سوريا (…) من شأنه أن يُغلق نافذة فرصٍ فُتحت امام «اسرائيل» لدى نشوب الحرب هناك، تتيح ضمن أمور اخرى إمكان توجيه ضربة قاسية إلى حزب الله في الاراضي السورية» («يديعوت احرونوت» 2016/12/22).

الخوف من تداعيات عودة حلب إلى حضن الأسد والخيبة من سياسة الرئيس الامريكي المنتهية ولايته باراك اوباما لخذلانها فصائل المعارضة المعادية للرئيس السوري، حملت قياديين اسرائيليين موالين ومعارضين، كما كبار حاخامي اليهود الشرقيين والغربيين على مطالبة حكومة نتنياهو بإعادة النظر بسياستها حيال الحرب في سوريا، على نحوٍ يؤدي إلى مجابهة اشد لمحور المقاومة المؤلف من سوريا وايران وحزب الله.

هذا التصعيد في الموقف ضد دمشق وطهران امتد إلى باحثي «معهد الأمن القومي» الإسرائيلي وخبرائه. فقد نشر الباحث أودي ديكل في «مباط عال» (2016/12/14) تحليلاً جاء فيه: «على افتراض انه بعد سقوط حلب ستحاول قوات الأسد، بتشجيع من ايران وحزب الله، توجيه مجهودها نحو جنوب سوريا من أجل السيطرة على المناطق الواقعة تحت سيطرة المتمردين، فإن قتالاً سيدور في مثل هذا الوضع بالقرب من الحدود في هضبة الجولان بمشاركة قوات ايرانية وقوات من حزب الله مع خطر كبير بأن تنزلق الأحداث إلى داخل اراضي اسرائيل».

هكذا يتضح أن «اسرائيل» تنظر إلى تداعيات تحرير حلب من تنظيمات الإرهاب في منظور تنامي قوة ايران ونفوذها وانعكاس ذلك كله على امنها القومي. غير أنها تتأنّى في اتخاذ موقف أكثر حزماً وفعالية حيال مستقبل الصراع في سوريا، بانتظار تسلّم الرئيس المنتخب دونالد ترامب سلطاته في 2017/1/20 ومعرفة توجهات سياسته حيال روسيا واحتمال تعاونه مع الرئيس بوتين على مواجهة منسقة ضد تنظيمات الإرهاب.

الكل، على ما يبدو، في انتظار ما سيفعله ترامب..

المصدر : القدس العربي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى