أخبار سورية

معضمية الشام.. مأتم في كل بيت

قبل سنتين تطوع الشاب السوري خالد الخطيب لدفن جثث قتلى المعارك المجهولي الهوية في بستانٍ صغير بجوار مدينته معضمية الشام، بعد أن يصورها ويضع أرقاماً عليها ويدون العلامات الفارقة لكل ضحية في سجلٍ خاص، لكنه المفارقة أن الشاب نفسه قتل أيضا بقصف طيران “الميغ” للمدينة، ودفن في المقبرة التي أنشأها.

وبمرور الأيام تزايدت أعداد الضحايا وأطلق السكان على تلك المقبرة “روضة الشهداء” حيث دفن فيها 1463 ضحية، 84 منهم قضوا في مجزرة الكيميائي وحدها في 21 أغسطس/آب 2013، فضلاً عن 350 جثة مجهولة الهوية من مناطق مختلفة انتشلت على أطراف المدينة، أغلبهم أعدموا ميدانياً على حواجز قوات النظام المنتشرة حول المنطقة خلال فتراتٍ متفاوتة.

وقال خادم المقبرة أبو أنس (44 عاما) للجزيرة نت، إنه استطاع الصيف الماضي أن ينجو من الموت وهو ينتشل أربعة جثث مجهولة الهوية ملقاة على طرف الطريق الدولية تحت غطاءٍ كثيف من نيران القناصة المنتشرين في مبنى مدرسة الشرطة المطل على المدينة.
وأوضح أن الضحايا الأربعة “كانوا شبانا تبدو على أجسادهم علامات التعذيب، ولم نميز ملامح وجوههم من الدماء والكدمات، وعرفنا فيما بعد أنهم أقرباء من عائلة واحدة في مدينة الجديدة، وقبل شهرين تعرّف أهالي الضحايا على الجثث من خلال وشمٍ على كتف أحدهم، ظهر في الصور التي التقطناها قبل الدفن”.
ويساعد أبو أنس تسعة ناشطين من أبناء المدينة، شكلوا مكتبٍا خاصا للمتابعة والتوثيق يشرف على تحديد هويات الضحايا، واستطاع المكتب خلال الأشهر الأخيرة أن يقلص أعداد الجثث المجهولة الهوية إلى 350 بعد أن كانت 417 جثة، فيما لا يزال العمل قائما على تحديد هويات الجثث الأخرى بالتعاون مع الجمعيات الأهلية في المناطق المجاورة.

تنكيل
يقف أبو أنس على قصة سيدة من معضمية الشام تدعى أم أسامة، واظبت على زيارة قبر ابنها كل صباح منذ أن فارق الحياة في مايو/أيار 2012 متأثراً بتمدد مادة الأسيد في جسده.

وقال “فوجئ أبناء المدينة بدخول أسامة من جهة حاجز اللجان وهو يرتدي ملابسه الداخلية فقط، بعد أن اعتقلته لجان الدفاع الوطني المؤيدة للنظام لمدة أسبوع ونكلت به، رغم أنه لم يقترف أي ذنب، وكل ما فعله هو أن خرج إلى عمله المعتاد في قصر العدل بدمشق”.

ويضيف أبو أنس “ظل أسامة 24 ساعة يقاوم اهتراء أحشائه وجلده الذي نهشته مادة الأسيد، وشكلت تلك الحادثة تحولاً في طريقة تعاملنا مع هذه اللجان، واستطعنا توثيق عشرات الجرائم التي ارتكبتها”.

وتحرص أم أسامة على زيارة قبر ابنها البكر في “روضة الشهداء” وقد زينته بالورود، وكل ما تستطيع قوله هو: “مالي من بعدك حدا يا ضنا عمري”.

إغاثة وتوثيق
وتتردد العديد من الروايات المشابهة على ألسنة ذوي الضحايا، ولا يدور حديث بين اثنين في معضمية الشام إلا ويأتي على ذكر اسم أحد الضحايا، فلكل عائلة حصتها منهم.

وكثيرمن المرافق في المدينة أعيد تسميتها بأسماء من قتلوا خلال المظاهرات والمعارك، وثمة جدار في وسط المدينة هو جدار المقابر القديم المكسو باللون الأصفر تملأه عبارة مكتوبة تقول “معضمية الشام.. خلف كل زيتونة شهيد”.

وفي المجلس المحلي لمعضمية الشام، يعمل المكتب الحقوقي على إعداد “بنك معلومات” إحصائي يتضمن بيانات الضحايا وأسرهم وظروف قتلهم، ويسعى إلى تبني عائلات 1463 ضحية، فضلاً عن متابعة المعتقلين الذين تتزايد أعدداهم.

وقال رئيس المكتب أبو خليل للجزيرة نت إن الجهود الأساسية في هذه المرحلة تصب في كفالة الأيتام وذوي الضحايا ومنحهم حياة كريمة، وتأمين مستلزماتهم وحاجياتهم.

ودعا المنظمات المعنية “للوقوف على واقعنا المؤلم والأوضاع المعيشية الصعبة لسكان المدينة”، مؤكدا أن “الخسارة الفادحة في الأرواح، ستزيد أبناء المدينة إصرارا على السير في سبيل قضيتهم”.

الجزيرة – وطن اف ام 

زر الذهاب إلى الأعلى