مقالات

محمد زاهد جول – تركيا ومشاريع السلام في سوريا

استقبلت تركيا المبعوث الأممي إلى سوريا ستيفان دي مستورا بعد أن أجرى في الأشهر الثلاثة الماضية مباحثات ومشاورات مع أطراف الصراع في سوريا في جنيف، وبعد أن قام بزيارة سوريا عدة مرات والتقى عدداً من المسؤولين المستببين للمأساة والدمار والمجازر في سوريا،

ومنهم وزير خارجية حكومة عائلة الأسد وليد المعلم، والغريب أن وليد المعلم استغرب الاقتراح الأممي، والذي تبنته روسيا ودعت إليه، بتشكيل تحالف دولي وإقليمي يتجاهل أصل المشكلة والثورة السورية، التي هي ثورة شعب من أجل الحرية والديمقراطية والكرامة الوطنية والدولة المدنية، إلى الحديث عن مشكلة إرهاب تواجه حكومة الأسد فقط، ويجري البحث في مبادرة دي مستورا كيف يمكن مساعدة عائلة الأسد على حل هذه المشكلة بتعاون دولي تشارك فيه دول الجوار السوري، بما فيها ايران والسعودية والأردن وتركيا ولبنان وقطر، تجتمع في مؤتمر دولي لتلتقي مع حكومة عائلة الأسد لمساعدتها على محاربة الارهاب الذي تتعرض له من الشعب السوري منذ خمس سنوات.

هذا المشروع المستهجن استغربه وليد المعلم نفسه، فكيف يجلس على مائدة واحدة مع الدول التي دعمت الارهاب؟ بحسب كلامه، ولذلك اخذ يتحدث بنشوة المنتصر أو المحتضر، وأخذ يتحدث عن مكافحة الارهاب وكأن سوريا دولة أوروبية أو من الدول الاسكندنافية التي ينعم الشعب السوري فيها بكافة الحقوق والأمن ولا يعاني إلا من الحركات التي يصفها بالارهابية، وتجاهل أن الدولة السورية الأسدية مارست من القتل والارهاب وانتهاك الحقوق الإنسانية أكبر الجرائم الارهابية في التاريخ القديم والحديث، بل بما لم يعرف التاريخ المعاصر له مثيلاً، ويريد المعلم الأسدي ان يلصقه بالآخرين، بينما قتلت حكومة الأسد وميليشياته وأعوانه من الطائفيين الإيرانيين أكثر من نصف مليون سوري، واعتقلت خلال الخمس سنوات الماضية فقط أمثالهم او أضعافهم، وشردت أكثر من عشرة ملايين سوري إلى داخل سوريا وخارجها، منهم حوالي اثني مليون لاجىء في تركيا.
هذه المآسي يتجاهلها وزير خارجية عائلة الاسد ويتحدث عن تحالف دولي تدعو له روسيا تشارك فيه تركيا والسعودية والاردن وقطر وهي من أكثر الدول المتهمة بدعم الثورة السورية، هذا المؤتمر الذي يدعو له دي مستورا وتتبناه روسيا هو إما مضيعة للوقت مثل المبادرات الدولية العديدة التي سبقته، أو خدعة دولية جديدة، لا تحقق منه الأمم المتحدة والمبعوث الدولي إلا إدعاء انهم يبحثون عن الحل السياسي في سوريا، بعدما رفضت أمريكا الحل العسكري حتى الآن، وتستفيد منه روسيا وسرجي لابروف وبوتين بأن السياسة الروسية طرفا محايداً في الحرب الدائرة في سوريا، بينما روسيا طرفاً شريكاً في مقاتلة الشعب السوري وقتله وتدمير بلاده، بتقديمها المعدات العسكرية بسخاء مالي طائفي من إيران، وهي تعلم أي روسيا أن هذه الأسلحة والذخائر التي ترسلها لبشار الأسد لا دور لها الآن إلا قتل الشعب السوري، حتى لو باعتها إلى إيران أو إلى حكومة بشار مباشرة، وإضافة لذلك استعملت روسيا حق النقض الفيتو خمس مرات في المحافل الدولية ضد الشعب السوري ولصالح حماية نظام القتل والارهاب الذي تباشرة ميليشيات الأسد واعوانهم من المليشيات الطائفية من الحرس الثوري الإيراني وميليشيات “حزب الله” اللبناني و”عصائب الحق” العراقية وغيرها.
هذه المبادرة الدولية لا بد أنها تسير مع المشاريع الأمريكية في تقسيم سوريا، فمبادرة دي مستورا منذ البداية كانت تتتحدث عن وقف إطلاق نار جزئي في ريف حلب قبل سنة، وكانت منذ ذلك الوقت تعمل على تهيأة الأوضاع الميدانية بهدف رسم معالم التواجد العسكري لكل اطراف الصراع في سوريا، لتصبح هذه السيطرة العسكرية هي معالم التقسيم الجغرافي الجديد، ولعل إدخال تنظيم الدولة داعش كان من اهدافه أن يكون اداة في التقسيم السياسي في سوريا والعراق وغيرها من الدول العربية والاسلامية، إلى دول شيعية واخرى سنية واخرى كردية وهكذا، وهذا ما يفسر سعي إيران لتمكين حزب الاتحاد الديمقراطي وقوات حماية الشعب الكردية للسيطرة على شمال سوريا، وهذا ما يفسر عودة حزب العمال الكردستاني إلى التحالف مع محور بشار الأسد الطائفي، حيث تسعى أمريكا وإيران وحكومة الأسد إلى تقسيم سوريا والعراق، وذلك بصناعة حاجز جغرافي وديموغرافي بين كيان الدولة السورية العلوية في الساحل السوري، وبين الدولة التركية من ناحية الشمال السوري، وكذلك صناعة كيان أو دولة كردية في شمال سوريا، تكون مدعومة سياسيا من امريكا واوروبا، ومدعومة عسكريا من ايران والأسد، وأن تكون حاجزاً سياسياً وكيانياً مع الجنوب العربي السني، أي ان مبادرة دي مستورا تعمل في مسار يتلاقى مع التغيرات السياسية والأمنية والعسكرية في سوريا والمنطقة.
لذلك نظرت الدولة التركية إلى أن مشاريع السلام في سوريا ينبغي ان تكون عامل استقرار في المنطقة وليس عامل اضطراب ولا بؤرة حرب ملتهبة في الحاضر والمستقبل، فتقسيم سوريا بضغوط أمريكية أو مكائد روسية أو أطماع إيرانية طائفية، لن تقبل به تركيا، وبالأخص إذا تحول إلى كيانات معادية للدولة التركية، حتى لو دخلت حرباً دولية في الدفاع عن حدودها وأمنها وشعبها، وما يحمل مؤشرات الخطر فيه أن تصبح الدولة الإيرانية الطائفية لاعباً دولياً مشاركاً في تقسيم سوريا والدول العربية إلى كيانات وكنتونات ودول طائفية أو عرقية، فهذه التقسيمات السياسية والجغرافية على أسس طائفية لن تقبل به تركيا اولاً، ولا ترى فيه إلا تهديداً لأمنها القومي الديمقراطي والتعددي، فضلاً عما يحققه من خسائر لشعوب هذه المنطقة بما فيها الدولة الإيرانية.
إن إقامة دولة سورية علوية على الساحل السوري اللبناني قد يخدم الأطماع الإيرانية مرحلياً في ان يكون لها موطأ قدم تظنه يبقى ثابتاً باعتراف دولي واممي، ولكنه في الحقيقة لن يجد الاستقرار أبداً، وسيكون دولة مشتعلة حتى الزوال، وسيكون حرب استنزاف لإيران أشد قسوة وخسارة من السنوات الأربعة الماضية، ولن يكون الطريقة المثلى للحفاظ على الأقليات الشيعية في الوطن العربي، لأن مصلحة القليات الشيعية في الوطن العربي أن تكون جزءا طبيعيا من هذه الدول تحظى بحقوق المواطنة الكاملة وحقوق الأخوة الإسلامية والانسانية، وهذا لن يكون إلا في دول مدنية وديمقراطية، وليس في دول طائفية وعرقية معادية لنفسها ولجوارها، أو لا يرى فيها جوارها إلا سرطاناً طائفيا لا بد من استئصاله ولو بعد حين.
إن الجهود التي قامت بها تركيا في حل المسألة السورية هي تمكين الشعب السوري في تقرير مصيره، ليكون قادرا بنفسه لرسم معالم دولته في المستقبل بكل مكوناته الدينية والقومية والسياسية والاثنية والعرقية وغيرها، وهذا لا يتحقق مع وجود بشار الأسد في السلطة ولا بالتدخل الطائفي الإيراني فيها، فقد فشل في ذلك ولا يزال فاشلاً ومدمرا لسوريا، بل إن الحل السياسي ينبغي أن يتوجه إلى تحجيم سلطة الأسد التفجيرية بالبراميل أو بالطائرات الحربية او بالقصف المدفعي على المدنيين، والضغط على القيادة الإيرانية لوقف تدخلها في سوريا، وسحب قواتها وميليشياتها منها، وهذا ممكن لو بذلت الدولة التركية والدول العربية والمجتمع الدولي ثقلهم السياسي والاقتصادي بتعاون وحزم حقيقي على إيران، كما فعلت امريكا والدول الست في إخضاع إيران في ملفها النووي في اتفاق فيينا الأخير، وفي نفس الوقت لا بد من السير في عملية السلام في سوريا في خطة المناطق الآمنة، بحيث تصبح خطة تدريجية ومتواصلة حتى تشمل كل سوريا، قد تكون نقطة البداية فيها المنطقة الآمنة في شمال سوريا وعلى الحدود التركية السورية.
إن إصرار الحكومة التركية على المنطقة الآمنة في البداية كان بهدف إيجاد حل سياسي ممكن للأزمة السورية، ولكن امريكا والمجتمع الدولي رفض الفكرة التركية، ولم تستطع الدولة التركية فرض المنطقة الآمنة بمفردها في السنوات الماضية، ولكن تطور الأوضاع في شمال سوريا وتحولها إلى جبهة قتال ضد تركيا بعد سيطرة حزب العمال الكردستاني على شريط حدود كبير في شمال سوريا، وكذلك سيطرة داعش على جزء من هذا الشريط الحدودي، ثم قيام كل التنظيمين الارهابيين تنظيم الدولة داعش وتنظيم حزب العمال الكردستاني بعمليات ارهابية ضد تركيا في تزامن واحد، قد فرض على الحكومة التركية ان تأخذ التهديدات والاعتداءات على محمل الجد والحزم، وان تتخذ إجراءات عسكرية حاسمة وحازمة ضد هذه التنظيمات الارهابية التي تهدد الأمن القومي التركي، وسواء كانت الهجمات العدوانية على تركيا بتنسيق بين حزب العمال الكردستاني مع تنظيم الدولة داعش أو بغير تنسيق، او كانا يستغلان الوضع السياسي والأمني والعسكري المضطرب شمال سوريا للضغط على الدولة التركية، فإن تركيا لن تفرق في ردها بين تنظيم إرهابي وآخر إلا بقدر توقف هجماته على تركيا، وعدم تعريض الأمن التركي الداخلي او الحدودي للخطر.
لقد كانت الرسالة التركية إلى امريكا وإلى الاتحاد الأوروبي وإلى حلف الناتو أن ما تتعرض له تركيا من اعتداءات لا يمكن قبوله ولا السكوت عليه، وأنها اعتداءات على حلف الناتو نفسه، وما كان اجتماع الناتو يوم الثلاثاء 28/7/2015 بدعوة من تركيا إلا اجتماع تشاور مع قادة حلف الناتو ، بهدف تدارك الأخطار التي يتعرض لها حلف الناتو الذي تعتبر تركيا جزء رئيسيا وأساسياً فيه لأكثر من ستة عقود، فتركيا لا تقرأ ما يتهدد له امنها على أنه خطر خاص بها او خطر داخلي فقط، وإنما هو خطر إقليمي ودولي، تسعى بعض الدول الطامعة بالتوسع النفوذي السياسي والطائفي أن تستغل الوضع السوري لفرض تواجد عسكري مباشر لها على حدود حلف الناتو، فالأراضي التركية وإن كان الجيش التركي قادرا على حمايتها بنفسه والدفاع عنها وحده، ولكن وضع التحالف في الناتو ومع الاتفاقيات العسكرية الاستراتيجية التي ترتبط بها تركيا مع امريكا والاتحاد الأوروبي يفرض عليها أن لا تقوم باي عمل عسكري إلا بالتوافق والتنسيق والتشاور مع المجتمع الدولي، من الأمم المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي إلى أمريكا وروسيا، وحلف الناتو هو المعني بالقضايا الأمنية والعسكرية أكثر من غيره.
إن القراءة التركية للمخاطر التي تفرضها بعض المساعي الإقليمية أو الدولية في حل الأزمة السورية لا ينبغي أن تكون اداة بيد الدول الطامعة باكتساب نفوذ سياسي أو تواجد عسكري في شمال سوريا أو وسطها، والمقصود هو الدولة الإيرانية الطامعة بتوسيع إمبراطوريتها باستغلال حالة عدم الاستقرار في المنطقة، إن حلف الناتو معنى جدا ان لا يكون لإيران وجوداً عسكريا على حدود دول حلف الناتو في سوريا، فخضوع إيران لأمريكا واوروبا في المشروع النووي لا يعطيها الحق ان تفتح جبهات قتال خارج حدودها، سواء في سوريا او في العراق او في اليمن او في البحرين أو في السعودية او في غيرها، لأن هذه المعارك التي قد تستفيد منها امريكا كمعارك استنزاف للقدرات المالية والعسكرية لإيران ومشروعها الطائفي، أو في صالح مبيعاتها العسكرية، ولكنها ستكون في نفس الوقت معارك متواصلة ستؤدي إلى تغيرات مصيرية في المنطقة لن تتمكن أمريكا ولا اوروبا من التحكم بها، فضلا عما سوف تفرزه من تنظيمات إرهابية قد يكون تنظيم الدولة داعش طفلا وديعاً بالنسبة لها، والرعاية التي تسعى إيران لكسبها مع حزب العمال الكردستاني والأحزاب الكردية الانفصالية في سوريا وتركيا ينبغي النظر إليه من قبل أمريكا والدول الأوروبية وحلف الناتو على انه تحالف ضد المصالح الغربية في هذه المنطقة، وانه تهديد حقيقي للأمن الإقليمي والدولي.
خاص لـ وطن إف إم 
زر الذهاب إلى الأعلى