مقالات

سركيس نعوم – أهداف روسيا واحدة أيّاً يكن نظامها!

في السنوات الواقعة بين أزمة الصواريخ الكوبيّة التي اندلعت بين أميركا والاتحاد السوفياتي عام 1961 وحرب تشرين عام 1973 بين مصر وسوريا من جهة واسرائيل من جهة أخرى، كان ضابط أميركي يحضّر لنيل دكتوراه في العلوم السياسيّة. وكان من بين “أساتذته” بروفيسور على قدر كبير من العلم والخبرة والاطّلاع اختصاصي في روسيا والاتحاد السوفياتي الذي كانت قلبه ومحرِّكه. يومها كانت العلاقة بين واشنطن وموسكو في حدّها الأدنى وربما أدنى منه. وكانت قاعة المحاضرات ملأى بالضباط الأميركيّين المعادين جدّاً للشيوعيّة ولروسيا.

دفع هذا الجو “البروفيسور” إلى طرح السؤال الآتي على طلّابه: “أقلبوا أو تخلّصوا من النظام الشيوعي في روسيا (الاتحاد السوفياتي) وأحِلّوا مكانه “قيصراً” أو رئيساً للجمهوريّة مُنتخباً وفق الأصول الديموقراطيّة. هل تعتقدون أن الأهداف الاستراتيجيّة لأي من المذكوريْن ستختلف عن الأهداف المماثلة للقادة السوفيات”؟ وأجاب هو نفسه: “كلّا وبكل وضوح”. شرح أسباب جوابه قائلاً: “القيصر أو الرئيس الروسي سيشعر بالخوف دائماً من الغرب، وسيريد من الغرب أن لا يتجاوز الشريط الذي أسّسه الاتحاد السوفياتي باحتلال دولٍ أوروبيّة عدّة أو أن يذهب أبعد منه. كما أنه سيستعمل كل السبل والوسائل لكي يصبح دولة عالميّة أو بالأحرى قوّة عالميّة”.

والآن، يقول مُتابع أميركي مراقب لعلاقة أميركا والغرب عموماً مع روسيا، يبدو أن الفريقين يعيشان المناخ العدائي والتعبوي نفسه. فالمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل قالت عن الرئيس فلاديمير بوتين إنه “عاش في عالم خلقه لنفسه عالمه الخاص”. ويقول أيضاً إن كثيرين في بلاده والعالم يعرفون تماماً الأسباب التي تدفعه إلى الاستياء إلى درجة الغضب من عضوية دول البلطيق الثلاث ودولة جورجيا في “حلف شمال الأطلسي”، كما التي تدفعه إلى الخوف من أن تحذو أوكرانيا حذوها. إذ أنها بذلك تضع “الحلف” المذكور على “عتبة بابها” كما يُقال. لكنّه، يُشدّد المُتابع نفسه، كان مخطئاً ولا يزال مخطئاً. فالـ”الربيع الأوروبي” إذا جازت تسميته كذلك حصل عندما انهار الاتحاد السوفياتي وتفتّت، إذ اختارت دول كثيرة كانت جزءاً منه الاستقلال والديموقراطيّة. علماً أن الإنهيار المذكور حصل لأن القيادة السوفياتيّة ارتكبت أخطاء كثيرة لعلّ أبرزها محاولة التفوّق على أميركا في سباق التسلّح الذي كان مُحتدماً في حينه.

لكن الغرب و”حلف شمال الأطلسي” ربما ارتكبا خطأ هو أنهما لم يستفيدا في أثناء الانهيار أيام غورباتشوف وبعده أيام يلتسين ثم في الولاية الرئاسيّة الأولى لبوتين. صحيح أنّهما قدّما لدول البلطيق وجورجيا العضوية في “الحلف” لأنّهما كانا مضطرّين إلى فعل ذلك، لكنّهما لم يُرفقا خطوتهما بتحرّكات عسكريّة جدّية تُثني روسيا وبوتين خصوصاً عن المغامرة أو عن تنفيذ استراتيجيّة وضعها مع مستشاريه بعناية فائقة. على العكس من ذلك، يقول المُتابع الأميركي نفسه، بدأت الولايات المتحدة تسحب قواتها من “شمال الأطلسي” بما في ذلك المدرّعات والآليات. كما خفّض حلفاؤها في الحلف حجم قوّاتهم العسكريّة وقلّصوا ميزانياتهم الدفاعيّة. إلى ذلك فإن الغرب وزعيمته أميركا قدموا لغورباتشوف ثم ليلتسين التمويل الضروري لتأمين استقرار العملة الروسية (الروبل) الذي كان ينهار يوميّاً، ودعوا عسكريّين روساً لأن يكونوا مراقبين في اجتماعات “الحلف”. كما أن أوروبا الغربيّة بدأت تربط مستقبل حاجاتها من الغاز بروسيا وعلى نحو مُطلق. طبعاً، يستدرك المُتابع نفسه، كانت هناك خلافات حول مسائل جوهريّة مع روسيا واتفاقات على مسائل جوهريّة أيضاً.

لكن لم يكن هناك ما يُبرّر دفع بوتين الى اجتياح شبه جزيرة القرم (الأوكرانيّة) وضمّها، وإلى زعزعة مناطق أوكرانيّة عدّة تقع على الحدود المشتركة الأوكرانيّة – الروسيّة. نعم، يعترف هذا المُتابع، كان بوتين خائفاً من عرض “شمال الأطلسي” العضوية على أوكرانيا. لكن ما أعرفه أن كل ما كانت أميركا و”الحلف” سيقدّمان لها علاقات وثيقة مع “الاتحاد الأوروبي”. وبضمّه شبه جزيرة القرم خلق بوتين جوّاً غربياً – أميركا في غير مصلحته، وفُرضت عليه عقوبات قاسية، كما أن “شمال الأطلسي” عاد الآن قوّة عسكريّة رادعة. لم يكن عليه أبداً ضم شبه الجزيرة تلك، ولأنه لا يستطيع العودة عنه فإن العقوبات ستبقى وستزداد كما سيزداد أذاها.

هل ارتكب بوتين أخطاء أخرى في رأي المُتابع الأميركي نفسه؟ وهل تدخّله في سوريا خطأ آخر؟ وفي الانتخابات الرئاسيّة الأميركيّة؟

المصدر : النهار 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى