مقالات

د. مثنى عبد الله – دولة وخليفة: هل حقا سينتهي هذا المشهد؟

صحيح إن إعلان الخلافة في العراق والشام شيء مُختلف عليه كثيرا بين جميع الفرق الإسلامية، بل إن البعض يعتبرون هذه التسمية حكرا فقط على مرحلة الخلفاء الراشدين الأربعة، ويسقطونها عن كل من ادعى بأنه خليفة للمسلمين لاحقا.

هؤلاء يعتبرون كل ما جاء بعد الخلافة الراشدة هو نوع من أنواع الحكم الإسلامي، لكنه ليس خلافة، وحجتهم في ذلك هو أن الخلافة الإسلامية لم يكن فيها حكم مركزي، أي سلطة مركزية تصدر الأوامر، فيطيع الولاة والولايات، ومع ذلك فإن الإعلان عن قيام دولة الخلافة من على منبر جامع النوري في الموصل العراقية، لم يكن شيئا فريدا من نوعه. فقد أعلن العباسيون دولة الخلافة بعد قضائهم على الأمويين، لكن هؤلاء أعلنوا خلافة إسلامية في إسبانيا.

كذلك كانت هنالك خلافة إسلامية فاطمية في مصر، ثم جاء الأتراك فأعلنوا عن الامبراطورية العثمانية، التي أدعت أيضا بأنها الوريث الشرعي للخلافة الإسلامية. وفي القرن التاسع عشر تحديدا كانت هنالك إعلانات عن قيام عدد من دول الخلافة الاسلامية في بلدان عديدة. في نيجيريا كان هنالك إعلان عن قيام دولة خلافة إسلامية، وقد أسقطها الانكليز في عام 1902 بعد احتلال البلد. كما أعُلن عن قيام إمارة إسلامية في القوقاز، وأسقطتها روسيا بالقوة العسكرية. وفي السودان تم الاعلان عن قيام الدولة المهدية، التي عرّفت نفسها بأنها خلافة إسلامية، وقد أسقطتها بريطانيا في حرب النهر، عند غزوها البلاد عام 1899. كذلك في الجزائر أعلن المجاهد عبدالقادر الجزائري عن نفسه إماما لدولة خلافة، وطبق الشريعة الإسلامية ثم أسقطته فرنسا. ثم تلت هذه المرحلة الزمنية مرحلة أخرى أُعلن فيها عن قيام دولة إسلامية في أفغانستان نهايات القرن العشرين، وكان الملا عمر هو من يُطلق عليه لقب أمير المؤمنين، وأسقطته أمريكا عام 2001 في غزوها للبلد. كما أعلنت بوكو حرام في النيجر عن نفسها بأنها خلافة إسلامية.

لكن ما يميز الدولة الاسلامية الحالية بقيادة أبو بكر البغدادي عن كل ما سبقها من خلافة إسلامية، هو أنها استخدمت العنف المفرط لتحقيق غاياتها، كما تهيأت لها جغرافية شاسعة جدا، وعدد سكان ليس بالقليل، وموارد مادية كبيرة بضمنها سلع استراتيجية كالنفط. وقد تم تقدير ثروتها قبل السيطرة على الموصل بـ100 مليون دولار، وما بعد الموصل 3.2 مليار دولار. كما لديها جيش كان تعداده 1500 مقاتل في عام 2010 ثم ارتفع الرقم الى 30 ألفا عام 2014. كما انتهجت أسلوب تدمير المعالم الدينية والمعتقداتية للآخرين، بما يتناقض ذلك تماما مع حقيقة الإسلام وحرصه الشديد على استخدام «بالتي هي أحسن» في التعامل مع الاديان الاخرى.

واليوم وبعد أن خسرت هذه الدولة ضلعين مهمين من أضلاعها الجغرافية، وهما الموصل والانبار، ولم يتبق لها سوى الضلع الثالث وهو الرقة. وتناقص مقاتلوها من 30 الفا الى بضعة آلاف، خاصة مع انخفاض تدفق المقاتلين الاجانب. وبعد أكثر من 25 ألف غارة جوية على مناطقها. هل يمكننا القول بأن الهزيمة قد لحقت حقا بالتنظيم ودولته وخليفته؟ هنا لا بد من التفريق بين هزيمة الشيء والقضاء عليه، فالمعنيان مختلفان تماما. فالهزيمة تعني الهروب الى حين، وربما العودة بشكل وتسمية أخرى.

أما القضاء عليه فيعني إنهاء الفكرة التي قام عليها التنظيم والظروف والملابسات التي ساعدت في ظهوره. نعم حصلت هزيمته لكن القضاء عليه ما زال بعيد المنال، لانه يحتاج الى مقاربة حقيقية في العراق والشام، وكل المحيط وحتى العالم، لن تكون مقتصرة على الفعل العسكري فقط، وهذه للاسف غير موجودة الى حد هذه اللحظة. فلا توجد حزمة مقاربات تشمل الأبعاد السياسية والثقافية والتربوية والاجتماعية وغير ذلك. الفعل العسكري فقط يلحق الهزيمة بالتنظيم، لكن سوف يظهر تنظيم آخر بثوب جديد، وبمعنى آخر وربما أشد تطرفا، لان البيئة مازالت خصبة وتسمح بظهور التطرف، بسبب الفشل في جميع الجوانب الحياتية في المنطقة والعالم.

فالتنظيم لا يمثل فقط سلطة موجودة على أرض الواقع، لكنه يمثل فكرة عابرة للحدود، رأيناها موجودة في مناطق عديدة ليس في العراق والشام وحسب، بل في سيناء وليبيا ومنطقة الساحل والصحراء في إفريقيا وآسيا. كما أن هذه الفكرة أثبتت أنها قادرة على التأثير على آخرين بعيدين تماما عن ساحة الحدث، فيتحولون الى ذئاب منفردة، يقومون بأعمال عنف مستوحاة منها. لذا نستطيع القول بأن تنظيم الدولة سقط بالمعنى التنظيمي، لكن المعنى الأيديولوجي ما زال موجودا، والدليل على ذلك أن هنالك بعض التنظيمات في دول العالم تعلن انضمامها إليه، على الرغم من عدم وجود ارتباط تنظيمي. وهو اليوم انتقل من حالة العلنية الى السرية أو حالة البلاء كما تسميها أدبياتهم.

ولو قارنا تنظيم «الدولة» الحالي بتنظيم «القاعدة»، لدلل ذلك على ما ذهبنا اليه من أن استخدام المقاربة العسكرية فقط، من دون المقاربات الاخرى، سيساعد في ظهور تنظيمات أشد تطرفا من تنظيم «الدولة». فخلافة البغدادي مُعلنة بينما خلافة زعيم «القاعدة» كانت غير مُعلنة، وقيادة البغدادي مركزية، بينما الاخر كانت قيادته لامركزية، ومستوى العنف في تنظيم «الدولة» مرتفع جدا، بينما العنف في القاعدة أقل نسبيا. كما لابد من الاشارة الى أن استخدام المقاربة العسكرية فقط في محاربة التنظيمات الراديكالية كان مقصودا وليس غباء سياسيا. فالولادات المتكررة لهذه التنظيمات توفر لعجلة الانتاج الحربي الغربي أسواقا جديدة وزبائن كثرا وعوائد مالية كبرى. كما أنها توفر لصانع القرار الغربي فرصة كسب حلفاء جدد يسيرون خلفه في الحرب على هذه التنظيمات، ولا يتقاطعون معه في رسمه خطوط السياسة الدولية.

وعليه فإن من المنطقي أن نرى العالم كله ينطلق وعلى رأسه دول عظمى وكبرى في محاربة ما يسمى الارهاب منذ أكثر من عقدين من الزمن، من دون نتائج تذكر، ولم تتحقق أهداف القضاء عليه حتى هذه اللحظة، لان هذه الحرب تحولت الى نوع من أنواع التجارة الدولية، فمصانع الغرب باتت تعمل ليل نهار في إنتاج معدات الحماية ومنظومات الإنذار وتصدير الشركات الامنية.

إن المشهد الذي رسمه الخليفة ودولته في العراق وسوريا، غاب عن المسرح لكنه لم ينته بعد. والتحليل الجيوسياسي يقول بأن الحل ليس عسكريا، بل سياسيا، لكنه صعب في العراق ومستحيل في سوريا. فالبيئة التي ظهر فيها التنظيم في كلا القطرين بحاجة الى ضمانات وتطمينات، بأن لا تعود أجهزة الدولة الى أسلوب التعامل السيئ نفسه مع المواطنين.

المصدر : القدس العربي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى