مقالات

شفيق الغبرا – سقوط الليبرالية العربية

يصنف البعض في العالم العربي أنفسهم بصفتهم ليبراليين، بينما يصنف البعض الآخر أنفسهم كديمقراطيين وحقوقيين، ويختلف الناس في تقييم التصنيفات المختلفة، إذ لا يشترط أن يكون الليبرالي العربي بصيغته الراهنة مؤيدا للديمقراطية ولحقوق الإنسان لأنه في قرارة فكره يخشى من الأغلبيات الشعبية بكل أنواعها، وهو لهذا يبرر التعسف بحقها.

وربما من هنا ينشأ هذا الضيق الذي يعم الليبراليين العرب تجاه القومية العربية وتجاه الإسلام السياسي وتجاه إعادة انتخاب أردوغان وتجاه إيران. هذا لا يعني أنه لا توجد أخطاء كبرى لدى كل هذه المدارس، لكن الليبرالية العربية تبدو قادرة على التماهي مع مدرسة ترامب العنصرية وقادرة على تفهم بعض منطلقات إسرائيل الصهيونية بينما تعارض بشدة مدرسة أردوغان أو العروبة و الإسلام السياسي بكل نسخه الإقليمية.

لقد نشأت الليبرالية في الغرب في ظل نضال وسعي للحرية وللعدالة والمساواة والديمقراطية. لكن الليبرالية العربية، كما يتضح من ممثليها في الصحافة العربية والإعلام، لم تتجه نحو النقد وطرح حلول أمام الطبقات الشعبية، بل سارت الليبرالية العربية في طريق متجانس مع النظام العربي في نسخته الاستبدادية والمعادية للحريات والديمقراطية والتغير.

الليبرالية في الحالة العربية أقرب للفكر الأتاتوركي الرافض لكل ما هو ديني وإسلامي ولكل حراك شعبي، وهذه في جانب ليست ليبرالية ديكتاتورية الأقلية صاحبة الامتيازات تحت مسمى الليبرالية.

وقد شهدت السنوات الأخيرة المزيد من الفصل بين الليبرالية في البلدان العربية وبين الديمقراطية وحقوق الإنسان، خاصة عندما وفر النظام العربي لقطاع كبير من “الليبراليين” العرب المنصات الإعلامية للتهجم على التيارات المعارضة في الساحة العربية.

ويبرز السؤال: كيف نكون ليبراليين ونغض النظر عن العدالة الاجتماعية؟ بل كيف نكون ليبراليين حقيقيين ونؤيد الانقلاب العسكري وتحكم الجيش بالسياسيين ثم نغض النظر عن التعذيب والاعتقال التعسفي والظلم وانحياز القضاء للنفوذ؟

في جانب يمكن القول بأن سلوك الليبراليين العرب يتعارض مع جوهر الليبرالية بصفتها فكرة ارتبطت بالحريات والديمقراطية والمساواة بين الجنسين والعدالة وحقوق الإنسان.

حتما يوجد ليبراليون عرب يؤمنون بالحريات والحقوق، لكن الأجواء السياسية والمنصات الإعلامية التي قدمت للكثير من الليبراليين العرب منذ الثورة المضادة ومنذ 2013 بالتحديد دمغت قطاعا كبيرا منهم بالانحياز للثورة المضادة وغض النظر عن تجاوزات حقوق الإنسان. وهذا أعطى الليبرالية في البلدان العربية صورة سلبية لن يكون من الممكن تغييرها في المدى المنظور.

لقد نشأت الليبرالية في إطارها الأوروبي كقوة ناقدة للأرستقراطية والملكية المطلقة، أما الليبرالية العربية فهي ملكية أكثر من الملك وجمهورية أكثر من الرئيس وتتصرف كأنها امتداد لمدرسة جورج بوش و دونالد ترامب في الشرق الأوسط.

هذه الليبرالية تبدو خالية من الليبرالية، بل إن الليبرالية العربية متورطة في مراهنات كبرى كدعوة الغرب للتدخل العسكري في قضايا تتعلق بالمنطقة. إذ لم تتعلم الليبرالية العربية منذ مجيء الولايات المتحدة لتغير النظام العراقي في 2003 من مخاطر التدخل العسكري حتى لو كان الهدف يبدو براقا.

لو تساءلنا عن موقف الليبراليين العرب من كفاح الشعب الفلسطيني أو من حصار غزة و من حالة حقوق الإنسان في مصر و في دول عربية أخرى، فلن نجد إجابة واضحة؟ ولو تساءلنا عن موقف الليبرالية العربية من حملات الاعتقالات في دول عربية شتى فقد لا نجد إجابة؟ بل كيف يكون أحد المثقفين ليبراليا ويتوقع أن تقوم إسرائيل بتصفية حزب الله أو إيران لحسابه كما تمت تصفية حزب البعث والدولة العراقية عام 2003؟ مهما وصل التناقض مع إيران وحزب الله، فإن التفاهم مع إسرائيل وترامب للقيام بهذه المهمة سيدخل بالمنطقة في عاصفة هوجاء.

إن أي عمل تقوم به إسرائيل سيكون هدفه تدمير ما تبقى من الإقليم وضمان عدم توازنه لعقود قادمة.
لقد فقدت الليبرالية العربية في السنوات الماضية الكثير من الأدوات التي تسمح لها بالوصول لقطاعات الشباب. بل بإمكان النظام السياسي العربي الذي يستخدمها الآن أن يتخلص منها ومن رموزها بيسر.
لقد أصبح مصير هذا النمط من الليبرالية بيد النظام السياسي العربي، وأصبح أيضا مصيرها متشابها مع السلفيين ممن استخدموا في مراحل سابقة من قبل الأنظمة لضرب كل فكر نقدي ومعارض في الساحة العربية.

إن أزمة الليبرالية العربية قائمة في إنحيازاتها السياسية والاجتماعية التي عزلتها عن هموم الشعب والفقراء والقوى الشعبية.

لقد أصبحت الليبرالية العربية تعبيرا عن حالة لصيقة بالأرستقراطية و الخوف من الأغلبية السكانية والانحياز للأقلية على حساب الأغلبية ولقوى النفوذ على حساب المهمشين ومن لا صوت لهم.

هذه الليبرالية تشبه مدرسة ترامب المرعوب من الديمغرافيا السكانية للأقليات اللاتينية والسمراء والفئات المهمشة في النظام الأمريكي.

لهذا بينما تتصاعد مطالب الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي تتراجع النسخة العربية من الليبرالية التي تحصر حق المواطنة في تعريفات النظام السياسي الضيقة للولاء والانتماء، لقد أصبح قطاع هام من الليبراليين العرب مرتبطا بمشروع السلطة المتداخل مع المصالح التجارية لفئة من رجال الأعمال والإعلاميين.

لقد تجاوزت الأحداث، الليبرالية العربية لصالح من يتمسكون بحقوق الإنسان لكل الناس بما فيها حقوق التيارات الإسلامية في العمل السياسي. بل أصبحت مدرسة الديمقراطية كما و حقوق الإنسان المنتشرة في العالم العربي تقدم لنا قيما أفضل وأكثر تقدما ووضوحا وذلك بسبب تركيزها على حرية التعبير وحرية إنشاء منظمات المجتمع المدني وبسبب إصرارها على حرية المعارضة والنقد والحق بالتجمهر وضرورة التداول على السلطة وفق قواعد ديمقراطية متفق عليها.

لنتذكر أن شعار الربيع العربي، الذي تتملص من التعامل معه الليبرالية العربية: “عيش حرية كرامة إنسانية” ما زال حاضرا في ضمير المجتمع العربي.

المصدر : القدس العربي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى