إدلبمقالات

حسن أبو هنية – إدلب على طريق التسوية أم التصعيد؟

لم تعد سيناريوهات تعامل النظام السوري مع عقدة “إدلب” متعددة ومعقدة، فقد بات الاحتمالات تنحصر في خيارين محددين؛ يقوم الأول على تحقيق تسوية، ويستند الثاني إلى تصعيد المواجهة. وفي الوقت الذي تشي تصريحات الأمم المتحدة إلى احتمال التصعيد، فإن تركيا لا تزال تراهن على مسار التسوية، لكن سلوك النظام السوري المفضل منذ التدخل الروسي يقوم على المزج بين الخيارات، حيث يبدو النظام وكأنه غير ملتزم بالاتفاقات التي تعقدها روسيا مع مختلف القوى، وتلعب روسيا دور الوسيط مرة أخرى وفق سلسلة من الألعاب أصبحت مكشوفة.

إن خطوط اللعبة الروسية في سوريا تعتمد على إقناع جميع اللاعبين أنها تمتلك خيوط اللعبة التي تؤهلها للقيام بدور الوسيط، كجهاز توازن بين الأطراف الدولية والإقليمية التي ترتبط بجماعات المعارضة المسلحة المحلية. وبذلك، أعفت نفسها من تهمة الاحتلال والقتل والتدمير، رغم أن كافة عمليات النظام تتمتع بتغطبة جوية روسية، في ذات الوقت الذي تقوم به بدور الوساطة بين الأطراف الدولية والإقليمية المتزامنة مع عملية العزل والقضم والتطهير العسكري لقوات المعارضة المسلحة، تحت مسمى “المصالحة” في مناطق تخضع لاتفاقات “خفض التصعيد”.

السلوك الروسي في سوريا بالتعامل مع عقدة “إدلب”، لا يختلف كثيرا عن سلوكها في المناطق الأخرى، فقد استبق الرئيس السوري بشار الأسد المحادثات محادثات “أستانة 10” بالإعلان عن أن “هدف الجيش السوري حاليا محافظة إدلب”، وهو ما ظهر جليا مع تصريحات رئيس وفد النظام السوري إلى “سوتشي – أستانة 10″، حيث هدد بشار الجعفري بعملية عسكرية لاستعادة محافظة إدلب التي تسيطر على معظمها المعارضة المسلحة. وقال الجعفري: “إذا عادت مدينة إدلب بالمصالحات الوطنية فهذا ما تريده الحكومة السورية، وإذا لم تعد فإن للجيش السوري الحق باستعادتها بالقوة”. ووصف وجود القوات التركية في الشمال السوري بالاحتلال، وتوعد بطردها.

خطوط اللعبة الروسية كوسيط توازن ظهرت مع تصريحات رئيس الوفد الروسي في ختام اجتماع “أستانة 10” ألكسندر لافرينتييف، في 31 تموز/ يوليو 2018، بأنه ليس ثمة حديث في الوقت الحاضر عن هجوم عسكري واسع النطاق ضد المسلحين في محافظة إدلب السورية، وذلك بانتظار إنجاز تسوية مع تركيا في إطار مهلة للتعامل مع إدلب بحلول أيلول/ سبتمبر المقبل، بالتزامن مع تهديدات النظام بالتصعيد، ولذلك عاد لافرينتييف ليؤكد في نفس الوقت على إصرار موسكو على ضرورة قطع دابر المجموعات الإرهابية في هذه المنطقة، وفي مقدمتها “جبهة النصرة”. وتابع: “لذا فقد دعونا المعارضة المعتدلة إلى تنسيق أكبر مع الشركاء الأتراك من أجل حل هذه المشكلة،”.

وصرح لافرينتييف بأن روسيا مستعدة لدعم جهود المعارضة السورية المعتدلة في دحر الإرهابيين في المنطقة إذا احتاجت لذلك، مشيرا إلى الوفد الروسي عرض بشكل صريح دعمها لممثلي المعارضة في سوتشي. وأشار لافرينتييف إلى أن المشاركين في الاجتماع توصلوا إلى فهم مشترك لكيفية محاربة الإرهاب في سوريا، قائلا إن الإرهاب لا بد من مكافحته حتى هزيمته التامة وفي أسرع وقت ممكن. ورغم تصريحات لافرينييف بعدم وجود حملة شاملة في إدلب، فإن وزارة الدفاع الروسية عادت وأشارت إلى ضرورة تطهير هذه المنطقة من “الإرهابيين”، وهي ذات الذريعة التي استخدمت في كافة مناطق “خفض التصعيد”، إذ أشارت وزارة الدفاع إلى أن “الإرهابيين”، بدأوا يشنون هجمات على “القوات الشرعية” شمال سوريا.

إذا كان ثمة جدل حول وجود منظمات “إرهابية” في مناطق “خفض تصعيد”، كما هو حال درعا والغوطة الشرقية، ومع ذلك تم تصعيدها، فإنه لا جدال حول وجود منظمات تعتبر “إرهابية” في إدلب، بل ثمة توافق بين معظم المتجادلين على أن إدلب في قيضة “الإرهابيين”، فهي تعتبر ملاذا لتنظيمات مصنفة كحركات إرهابية، تصنف كسلالات تتبع تنظيم “القاعدة”، وعنوانها الأبرز “جبهة النصرة” التي تحولت إلى “جبهة فتح الشام” ثم إلى “هيئة تحرير الشام”، وقد أدرجتها الولايات المتحدة الأمريكية على قائمة المنظمات الإرهابية، وكذلك تنظيم “حراس الدين” الأقرب للقاعدة، والذي اندمج في “حلف نصرة الإسلام”، فضلا عن جماعة أنصار الدين، والحزب الإسلامي التركستاني المكون من أقلية الإيغور الصينية، الأمر الذي جعل الصين تفكر في المشاركة في معركة إدلب. فرغم أن السفارة الصينية بدمشق أشارت إلى عدم دقة ترجمة تصريحات السفير الصيني بدمشق بأن “جيش بلاده مستعد للمشاركة في معركة إدلب أو أي مكان آخر في سوريا لمكافحة الإرهابيين، وخاصة الإيغور القادمين من الصين، إلا أنها أوضحت أن الصين تتمسك بالحل السلمي والسياسي، غير أن ذلك لا ينفي وجود مصلحة للصين في محاربة مقاتلين صينيين من أقلية الإيغور المسلمة، المنضوين ضمن “حزب تركستان الإسلامي” الذي يقدر عدد أعضائه بنحو 2500 شخص في إدلب.

تدرك تركيا طبيعة اللعبة الروسية، وأن دخول قوات النظام السوري مسألة وقت، وهي تحاول تحقيق بعض المكاسي عن طريق تسوية. فقد اتفقت دمشق وطهران وموسكو على تأجيل الهجوم مؤقتا على إدلب، والسماح لتركيا نفسها بالتعامل مع التهديدات التي تنبثق من جماعات إرهابية منفصلة في المنطقة، لكن هذا الحل الوسط، لن يدوم طويلا؛ فتركيا في ظل أزمتها باتت الحلقة الأضعف مع التدهور الحاد في علاقة أردوغان بالغرب، وسوف تتنحى جانبا مع التصعيد، وتكتفي بالحصول على تنازلات غير ذات قيمة، الأمر الذي دفعها إلى الإسراع بمحاولة فرض واقع جديد للمعارضة السورية المسلحة في محافظة إدلب من خلال تأسيس “الجبهة الوطنية للتحرير” في 1 آب/ أغسطس 2018، والتي تضم معظم فصائل المعارضة المسلحة في الشمال، وهي: “جبهة تحرير سوريا” تشكلت بعد اندماج حركتي “أحرار الشام” و”نور الدين زنكي”، وكذلك “ألوية صقور الشام”، و”جيش الأحرار”، و”تجمع دمشق”، إلى جانب “الجبهة الوطنية للتحرير”، التي أعلن عن تأسيسها في أيار/ مايو الماضي، وتضم 11 فصيلاً؛ وهي “فيلق الشام” و”جيش إدلب الحر” و”الفرقة الساحلية الأولى” و”الفرقة الساحلية الثانية” و”الفرقة الأولى مشاة” و”الجيش الثاني” و”جيش النخبة” و”جيش النصر” و”لواء شهداء الإسلام في داريا” و”لواء الحرية” و”الفرقة 23″. وقالت الفصائل في بيان التأسيس، إن الاندماج يأتي كنواة لـ”جيش الثورة القادم”، ليشكلوا بذلك أكبر كيان عسكري معارض للنظام قوامه قرابة 100 ألف مقاتل، حسب مصادر هذه الفصائل، وهو رقم لا يخلو من مبالغة، حيث يمكن الحديث عن أقل من نصف هذا الرقم. وقد تجنبت تركيا وضع أي قيادات قد تثير التساؤلات في المناصب القيادية العليا، وفضلت قيادات عملت طويلا في إطار “الجيش الحر” الذي عمل لسنوات مع أمريكا في غرفة “الموم” التي كانت تعمل في إطار برنامج المخابرات الأمريكية السري لدعم المعارضة “المعتدلة” قبل إنهائه والتخلي عنه.

لم يبلغ المسؤولون الأتراك قادة الفصائل المتحدة بالأفكار الموجودة في ذهن أنقرة، حسب إبراهيم حميدي، فالأفكار التركية تتضمن أيضاً إعطاء مهلة لـ”هيئة تحرير الشام” كي تحل نفسها، بحيث ينضم السوريون من التحالف ضمن الكتلة الجديدة، و”إيجاد آلية” للأجانب من المقاتلين لـ”الخروج من سوريا بعد توفير ضمانات”، ويشمل ذلك “العزل” أو “التحييد” أو “الإبعاد” للمقاتلين الأجانب الموجودين في “حراس الدين” و”الجيش التركستاني الإسلامي”. وقد واصل الجيش التركي تحصين نقاط المراقبة التي تصل إحداها إلى حدود محافظة حماة جنوب إدلب، في وقت حصلت أنقرة على مهلة من موسكو في اجتماع سوتشي الأخير للبحث عن “تسوية” للشمال، بالتزامن مع انعقاد القمة الروسية – الألمانية – الفرنسية – التركية في 7 أيلول/ سبتمبر المقبل.

خلاصة القول أن خطوط اللعبة الروسية في إدلب لا تختلف عما حصل في كافة مناطق خفض التصعيد، حيث تقوم روسيا بلعب دور الوسيط للتسوية ظاهريا، في الوقت الذي يعمل النظام السوري على التصعيد عسكريا، ثم يعمد إلى خلط المسارات بعد خلق واقع ميداني جديد. ولهذا، فإن مسألة التسوية تعبد الطريق أمام التصعيد، وبهذا فإن عودة إدلب إلى النظام السوري هو مسألة وقت في محاولة للحد من الخسائر المتوقعة.

المصدر : عربي 21 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى