مقالات

علي بردى – “المظلومان” سايكس وبيكو!

تحلّ اليوم، 16 أيار، الذكرى السنوية المئة لاتفاق سايكس – بيكو. نال صاحباه الديبلوماسيان البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرنسوا جورج – بيكو، ولا يزالان ينالان، قسطاً من اللعنات في العالم العربي. غير أن هذا السباب ما نفع العرب يوماً. مثّلا حقبة سوداء من الإستعمار. ولكن قد يكونان “مظلومَيْن” إذا حُمِّلا تبعة كل هذه الأحزان العربية.

في الغرب، يستعيد باحثون كثيرون في شؤون الشرق الأوسط هذه الذكرى، فيما تعبر المنطقة مجدداً في واحدة من تحولاتها الكبرى في غضون قرن. حربان عالميتان وحرب باردة. انهيار السلطنة العثمانية. صعود النازية في ألمانيا والفاشية في ايطاليا واندحارهما. انتهاء الإستعمارين الفرنسي والبريطاني وما تلاه من نشوء الدول. إنتصار الثورة البولشفية وانهيار الإتحاد السوفياتي. تأسيس دولة اسرائيل. ليست مؤامرة محاولات تقاسم ما أمكن من النفوذ. هذه ممارسات طبيعية قديمة قدم التاريخ. الدول والكيانات الجغرافية – السياسية ليست جمعيات خيرية. يبدو ما قام به سايكس وبيكو تفصيلاً في سياقات أوسع وأكبر.

ليس في العالم العربي ما يكفي مما يحتاج اليه بإلحاح من الدارسين المستقلّين والباحثين الجديين. من يسمع أصوات هؤلاء؟ العالم العربي مريض. فيه ما هبّ ودبّ من العلل. غير أن التشخيص متروك في الغالب لطبقات سياسية ينخرها الفساد، أو يستلبسها الدين وعلم الغيب، أو في أحسن الأحوال تتبجح بلا انتهاء بالماضي التنويري المتألق لعلماء كبار أمثال ابن سينا والرازي والخوارزمي وجابر بن حيان وابن بطوطة وابن الهيثم والكندي والكاشي وابن رشد والفارابي والطبري وابن خلدون.

ما هو الأثر الحقيقي لاتفاق سايكس – بيكو؟ هل كانت المعاهدات والإتفاقات الأخرى قبله وبعده في باريس ولندن ويالطا وسان ريمو محدودة التأثير؟ كيف حكمت السلطنة العثمانية المنطقة مئات السنين قبل أن يؤسس مصطفى كمال على أنقاضها تركيا الحديثة؟

لماذا لم يتمكن الغرب “الحضاري” من زرع قيم الحريات والديموقراطية في الشرق؟ ماذا قدم العرب في العصر الحديث غير العلوم القرآنية واللاهوتية والدينية مما هو أفضل من التعليم الذي توفره مدارس وكليات وجامعات افتتحها المبشّرون؟ من هو المسؤول عن غياب الإحترام لحكم القانون في المجتمعات العربية؟

محا “الربيع العربي” خرائط سايكس – بيكو. لم تعد صالحة. انهار بعض أعمدة النظام العربي القديم. جاءت الجماعات الإرهابية بمشاريع وحشية خرافية. تحتاج الخرائط الى تحديث يعكس التوازنات الدولية والإقليمية الجديدة.
أين العرب؟ ينظرون الى 16 أيار 1916 باعتباره “اليوم المشؤوم” الذي أدى الى مصائبهم ونكباتهم ونكساتهم وخيباتهم… وأحزانهم.

لهذه الأسباب وغيرها، يحتاج الأمر الى مراجعة نقدية علمية عميقة، وليس تبريرية على طريقة الأحزاب السياسية العربية، لئلا يبدو السير سايكس والسيد بيكو وكأنهما “مظلومان”.

هذه ذكرى ليوم حزين.

المصدر : النهار 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى