مقالات

وسام سعادة – عناصر قوّة عون: أفواج الدفاع واللواء الثامن والوعد البشيري

ظاهرة العماد ميشال عون كزعيم «مسيحي قوي» هي نتيجة مباشرة لعملية تحديث الجيش اللبناني في الثمانينيات من القرن الماضي، في سياقات الحرب الأهلية ومرحلة ما بعد الإجتياح الإسرائيلي.

في 19 تشرين الأول /اكتوبر 1982 زار الرئيس المنتخب حديثا أمين الجميّل واشنطن للقاء الرئيس الأمريكي رونالد ريغان، وكان أوّل رئيس لبناني يدخل إلى البيت الأبيض. أطلقت هذه الزيارة عملية تحديث وإعادة تجهيز وتنظيم وتسليح للجيش لتمكينه من إعادة توحيد بيروت للمرّة الأولى منذ اندلاع الحرب الأهلية، وتمكين الشرعية التي عنت أيضا استعادة الغلبة المارونية في ذلك الوقت، والاستعداد لاحقا لاسترداد المناطق التي ستنسحب منها إسرائيل تباعا، وفي اطار توضيب صلح منفرد بين لبنان وإسرائيل. كان الجيش السوري في ذلك الوقت في حالة ضعف شديدة بعد الضربات الإسرائيلية التي أنزلت بمنصات صواريخه وطائراته وقواته قبل الاجتياح وعشيته وأثناءه.

بدأ التحديث بجمع «أفواج الدفاع» في الجيش التي كلّفت قبل ذلك بشهرين بالدخول إلى بيروت الغربية، وتأسيس «اللواء الثامن» مطلع العام 1983، وتزويده بكتيبة دبابات أمريكية حديثة الصنع، وبسلاح مدفعية متطوّر، والتدريب من قبل المارينز.

تسلّم العقيد ميشال عون، الرجل القوي في «أفواج الدفاع»، قيادة اللواء، مع ان الجميّل كان يسعى للحؤول دون ذلك. وكان سبق لعون أن عُرِف داخل المؤسسة العسكرية وخارجها بعناده واعتداده برأيه، وصعوبة التعامل معه من قبل الأعلى منه مرتبة في الهرمية، وأحيانا بتصريحاته «البونابرتية»، كمثل ارتجاله – بين الضباط، دعوة للانقلاب عام 1973على الرئيس سليمان فرنجية، احتجاجا على «تساهله» مع المنظمات الفلسطينية. كما كان عون من بين العسكريين الشرعيين الذين شاركوا في معركة تل الزعتر عام 1976، بتغطية غير رسمية من القيادة، وعرف بأنه أقرب العسكريين إلى بشير الجميل، الذي يبرز الان مينارغ في كتابه «أسرار حرب لبنان» أنه طلب من عون، ومن انطوان نجم، اعداد مخطط انقلابي مطلع الثمانينيات، تكون «أفواج الدفاع» أداته الرئيسية، وهناك من ظلّ يفتي في صيف الاجتياح، بأنه الأفضل فرض بشير الجميّل رئيسا، أو رئيسا للوزراء، بانقلاب عسكري، على مشهدية انتخابه في البرلمان!

لم تتمكّن عملية التحديث العسكري هذه من توسيع رقعة سيطرة الجيش، بل لم تمكنه من الحفاظ على وحدته، وعلى التوحيد القسري لبيروت، في ظل رئيس الجمهوريّة الكتائبي واتفاقية 17 ايار. لكنها طورت الألوية ذات الغلبة المسيحية، واللواء الثامن بخاصة، بشكل يعطيها أرجحية قتالية على سائر الميليشيات.

لم تكن الانسحابات الإسرائيلية المتتالية من الشوف ثم من صيدا وقسم كبير من الجنوب في مصلحة المسيحيين وإنما مهدّت لهزيمتهم وتهجيرهم منها. أما سوريا فعادت إلى موقع القوة، حيث سمحت الفترة الوجيزة التي تبوأ فيها يوري اندروبوف الزعامة في الاتحاد السوفييتي، وأجّج فيها الحرب الباردة مجدّدا، باعادة تجهيز الجيش السوري وتعويضه ما خسره وأكثر.

مع الانسحاب الإسرائيلي من الجبل (الشوف – عاليه)، تقهقرت «القوات اللبنانية» فيه، وتصاعد ضغط قادتها الميدانيون في حرب الجبل، مثل سمير جعجع، للدفع بالجيش اللبناني لانقاذ الوضع، وخصوصا في معركة بحمدون، ولم ير الجميّل ولا قائد الجيش العماد ابراهيم طنوس واقعية ذلك. ومع انهيار الوضع المسيحي بالجبل، وما أحدثه ذلك من مجازر وتهجير، تقدّمت الميليشيات الدرزية، والفلسطينية الموالية لسوريا، باتجاه سوق الغرب. واجه العقيد عون حينذاك قيادته العسكرية التي اوعزت بالاكتفاء بالدفاع عن منطقة الجمهور وبعدم القدرة على الدفاع عن سوق الغرب، بل اوصت بنقل القصر الجمهوري إلى المتن الشمالي، لاحتمال خسارة منطقته في بعبدا.

في أيلول 1983 تمكّن «اللواء الثامن» بقيادة العقيد عون من استعادة المواقع التي خسرها الجيش في سوق الغرب وضهر الوحش، وبمساندة من البارجة الأمريكية نيوجرسي، قبالة السواحل اللبنانية، وطلعات جوية للطيران الأمريكي فوق ميدان المعركة. منح الصمود أو الفوز في سوق الغرب رصيدا ثمينا لعون، داخل المؤسسة العسكرية، اضافة إلى تأييد شعبي واسع له بين المسيحيين كـ»بشيريّ من داخل الجيش»، في مرحلة كان قادة «القوات اللبنانية» بعد بشير، يرمزون للهزيمة العسكرية في حرب الجبل، وما نتج عنها من تهجير للمسيحيين، وينقلبون على بعضهم البعض.

رقي العقيد عون إلى رتبة عميد بعد معركة سوق الغرب، ثم كانت انتفاضة 6 شباط 1984 التي قادتها حركة أمل، وانشقاق الألوية المسلمة عن «الجيش الفئوي» أو «جيش اليرزة»، وتلت الانتفاضة ذات الطابع الشيعي في الضاحية وبيروت، تقهقر كل من الجيش والقوات في معركة الشحار الغربي، التي انحاز فيها مسلمو «اللواء الرابع» بقيادة وليد سكرية للمهاجمين الدروز، والفلسطينيين الموالين لسوريا، في ما سمي «عملية السيد عبد الله التنوخي» (ردا على عبث المسلحين المسيحيين بهذا المقام الدرزي).

انحسرت رقعة هذا الجيش الأساسية في منطقة المتنين، وتواصلت مع ذلك عملية استكمال تسليحه وتنمية قدراته القتالية في رقعة تركزه هذه. فرضت ظروف ما بعد الهزيمة في الشحّار الاتيان بقائد اللواء الثامن قائدا للجيش في حزيران 1984، مع ممانعة من الرئيس الجميّل، الذي كان يرغب في قائد للجيش أكثر مرونة.

صنع عون نواة شعبيته في تلك الفترة، وبالأخص من خلال جبهة سوق الغرب. بعد مقتل بشير، ثم وفاة الزعيمين التاريخيين للموارنة، الرئيس كميل شمعون والشيخ بيار الجميل، اتجهت أنظار المسيحيين نحو الجيش الشرعي، أكثر مما اتجهت صوب «القوات اللبنانية» التي حمّلت بطريقة أو بأخرى مسؤولية الهزيمة في الشوف واقليم الخروب وشرق صيدا، اضافة إلى تخلّع التجربة الحزبية الجماهيري للكتائب.

تواصلت عملية تحديث الجيش في رقعته المنحسرة، بدعم أمريكي وفرنسي، وبارهاق كاهل الخزينة، إلى الحد الذي تم الربط فيه بين الانفاق على العسكر والسلاح وبين أزمة انهيار سعر صرف الليرة في تلك الفترة.

أطاح الثلاثي أمين الجميّل – سمير جعجع – ميشال عون بقيادة الياس حبيقة لـ»القوات» على خلفية دخول الأخير في «الإتفاق الثلاثي» برعاية دمشق. لكن رصيد الجميّل تقلّص، وظهر كرئيس ضعيف. لم تسمح الشطحات الأيديولوجية الدينية المغالية لجعجع وشعاراتية «الصليب المشطوب»، والممارسات الميليشياوية لمسلّحيه «الجرديين»، وتحميله وزر الهزيمة في الشوف، بأن يتحوّل إلى القطب الرئيسي في «المجتمع المسيحي». اتجهت الأنظار للجيش، وبالتالي صوب عون، الذي مع طرح اسمه في مروحة المرشحين المحتملين للرئاسة، قام بتعطيل الاستحقاق، بالتواطؤ مع جعجع، حائلا دون التئام النواب كي لا يصل مرشح موالي لدمشق كمخايل الضاهر.

وقبل ربع ساعة من انتهاء ولايته الدستورية، عيّن الرئيس الجميّل عون لرئاسة حكومة عسكرية انتقالية، كي يبقى الماروني على رأس الدولة، وتأسيسا على ما اعتبر عرفا يعود إلى العام 1952. في الداخل المسيحي، بدا الأمر اقرب إلى «انقلاب مشترك» أعدّه عون وجعجع، بحيث توجب على الجميّل مغادرة لبنان بعد ذلك بأيام معدودة وعائلته، وجرى التشهير به بقسوة. أما بالنسبة لسوريا وللمناطق الاسلامية، فقد رفضت الحكومة العسكرية، وسحب الضباط المسلمون منها، واعتبرت حكومة سليم الحص المنتهية صلاحيتها مع انتهاء عهد أمين الجميّل حكومة شرعية (زد على ان الحص كان قدّم استقالته للجميل قبل ذلك ببضعة اشهر).

العنصر الأساسي لـ»قوة عون» تشكّل اذا في بحر الثمانينيات، وقبل وصوله كرئيس حكومة عسكرية لقصر بعبدا في خريف العام 1988 هي ثمرة التحديث على قطاعات بعينها من الجيش اللبناني في ذلك العقد، وخصوصا تجربة اللواء الثامن، اضافة إلى حمله ملامح بونابرتية من تجربته في قيادة «أفواج الدفاع» التي اعتبرت بمثابة «أفواج بشيرية» داخل الجيش منذ نهاية السبعينيات.

لم يخف عون من يومه الأول في بعبدا في 23 أيلول/سبتمبر 1988رغبته برئاسة الجمهورية لنفسه، وسعى بهذا الاتجاه في الاتصالات مع دمشق، وعلى المستوى العربي، خصوصا مع مؤتمر تونس مطلع العام 1989، الذي فشل في معالجة أزمة الانشطار الحكومي اللبناني، وطالب فيه عون بجدول زمني للانسحاب السوري، كما كان لافتا آنذاك اللقاء بين عون ورئيس منظمة التحرير ياسر عرفات في تونس، وبالتوازي استمرت عملية تسليح الجيش بمساعدة عراقية سخية هذه المرة.

أدّى هذا الشعور بالاقتدار إلى اصطدام أول بالقوات اللبنانية (شباط 1989)، التي كانت وسعت منطقة نفوذها عنوة على حساب كتائب أمين الجميل. تمكن الجيش من ضرب القوات في المتنين في أيام قليلة، وبعد ان تصاعد التقاذف الكلامي إلى حد اتهام عون لجعجع بأنه كان يحضّر لمجزرة أهدن ثانية تستهدف عائلته، أقرّت القوات بنتائج المعركة الميدانية، وزار جعجع القصر الجمهوري، ووضع القوات بتصرف الجيش، وسلّم الحوض الخامس من مرفأ بيروت للدولة.

استعادة الحوض دفعت عون لاطلاق حملة محاصرة المرافئ غير الشرعية، وبالنتيجة، للتصادم الشامل مع الجيش السوري وحلفائه المحليين، لا سيما الحزب التقدمي الاشتراكي، «وجيش سامي الخطيب»، فكانت «حرب التحرير» الذي خاضها الجيش و»القوات» معا في 14 اذار/مارس 1989، وهي واحدة من أعنف جولات الحرب اللبنانية. ومرة أخرى سيجدّد عون «رصيده الحربي» لدى الناس باحباط جيشه، في سوق الغرب، للهجوم السوري – الدرزي.

وكما أن تحديث الجيش في عهد أمين الجميل قاد إلى طرد الجميل نفسه من لبنان بعد دخول عون إلى القصر، فان حرب التحرير، المعتمدة على تجربة تسليح، شارك فيها بالتزامن أو التعاقب، الأمريكيون والفرنسيون والعراقيون، وعلى الطموحات البونابرتية لعون، ورصيده الشعبي المستمر في التوسّع، كرمز لاستمرارية الدولة اللبنانية، قادت إلى نقيض ما قصده عون منها: فبدل ان يمهّد المؤتمر البرلماني الذي عقد في اتفاق الطائف بعد هذه الحرب إلى صيغة تفضي لتكريس عون رئيسا للجمهورية، ظهر ان المسار يميل لافقاد عون صفته الشرعيّة، فكان أن أطلق حرمه على اتفاق الطائف، الطائف الذي سيعود في خطاب قسمه، حال انتخابه رئيسا، بعد 27 عاما على هذا الاتفاق، للتعهد بتطبيق وثيقة الوفاق الوطني التي أقرّت فيه.

ارتكزت معارضة عون للطائف على اثنتين: ميوعة الاتفاق من ناحية «اعادة انتشار القوات السورية باتجاه البقاع»، من دون برنامج زمني واضح لانسحابها من لبنان، وانتقاص صلاحيات رئاسة الجمهورية. ثبت «بالوجه الشرعي» صحّة موقف عون فيما يتعلّق بمسألة انتشار الجيش السوري. فبعد دخول اتفاق الطائف حيز التنفيذ، وبعد التدمير الذاتي المسيحي المسيحي في حرب الالغاء بين عون وجعجع، ثم اقتحام الجيش السوري منطقة عون ولجوئه إلى السفارة، ثم نفيه إلى فرنسا، لم يجد الجيش السوري ما يجبره على اعادة الانتشار هذه، وحين سينسحب الجيش السوري من لبنان لن يكون لاتفاق الطائف أي أثر في حمله على ذلك، وانما القرار 1559، والتداعيات الشعبية والاقليمية لجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري.

لم يكن عون وحده الذي رفض اتفاق الطائف حين اقراره. رئيس حركة أمل نبيه بري اعتبر ان القبول به خيانة (20-10-1989) وكان وعد في وقت سابق بأن لا رئيس مارونيا بعد الآن، ثم اكتفى باعتباره «ترقيعا»، ولم تعتنق حركة «أمل» الطائف إلا بعد تواصل هزائمها على يد «حزب الله». وهذا الحزب الخمينوي عدّ من جهته حرب التحرير حرب ابادة للمسلمين، ورفع شعار «سنمزّق الطائف بأيدينا»، وجاء في بيان له في أيلول 1989 «نرفض رئيسا مارونيا ونرفض الذل تحت اسم التعايش مع النصارى» و»استسلام للمارونية السياسية ولإسرائيل» (تشرين الثاني 1989). في المقابل، كانت الطائفة السنية تحت وقع اغتيال النظام السوري للمفتي حسن خالد.

عندما ظهر لعون أنّ التقاطع الأمريكي السعودي السوري يأتي على حسابه، وعلى حساب برمجة الانسحاب السوري، في الطائف، اكتشف عنصر قوة آخر: تعبئة أنصاره من الناس. بدأ ذلك بتوجيههم أولا لمحاصرة السفارة الأمريكية، التي أجلت بعثتها، وسط تنديدات عون بالمؤامرة الأمريكية، وما ان اعتبر البطريرك الماروني بطرس صفير ان «الطائف هو أهون الشرور» حتى توجهت الجمهرة العونية نحو الصرح البطريركي وأساءت لصاحب المقام ببذاءة منقطعة النظير، فانتقل بعدها من بكركي إلى الديمان. ووسط هذه الفورة الشعبوية، أعلن عون في 4 تشرين الثاني/نوفمبر 1989 حل مجلس النواب (المنتخب عام 1972) داعيا لانتخابات نيابية جديدة وهو لا يسيطر إلا على مساحة قليلة من لبنان. وما كان ينقص المسيحيون في كل هذا الوضع سوى اصطدام عون بـ»القوات اللبنانية» بحجة أن موقفها من إتفاق الطائف غير واضح، فكان أن جرّت «حرب الإلغاء» جعجع للقول الصريح بقبول الطائف، في الوقت نفسه الذي صارت فيه «الخريطة الواقعية لتطبيق الإتفاق» مختلة تماما، ومائلة لحساب النظام السوري، وهو ما تضاعف مع اجتياح صدام، حليف عون، للكويت (آب 1990)، واستفادة دمشق من دخولها في التحالف الذي تقوده أمريكا، لانتزاع تغطية أمريكية لاجتياحها مناطق سيطرة عون في 13 تشرين الأول/اكتوبر 1990، وهو اجتياح ظلّ عون مقتنعا حتى اللحظة الأخيرة بأنّ فرنسا والفاتيكان ستحول دون اتمامه.

لم يخسر عون عناصر قوّته الشعبية باجتياح الجيش السوريّ للمتنين، ولجوئه هو إلى السفارة الفرنسية. فالجماعة المارونية الداخلة في «يتم وجداني» منذ اغتيال بشير الجميل، ورحيل بيار الجميل وكميل شمعون، وجدت بأكثريتها، في عون، رمزا، ورمزا مدمجا بمفهوم الدولة، كون «البطل البشيريّ» يخرج في حالته من داخل جهاز الدولة، من جيشها الشرعيّ. السجلّ الحربيّ لعون، وخصوصا في معركتي سوق الغرب (1983 و1989) غطيا على الهزيمة العسكرية في 13 تشرين الأول/اكتوبر. «نجاته» ولو بالفرار، كانت قيمة اضافية له بالنسبة إلى جماعة مارونية، ظلّ الكثير من أبنائها يرفضون التصديق بأنّ بشير الجميّل قتل بالفعل.

وكانت التعبئة الجماهيرية التي نجح في اجتذابها للتجمهر حول قصر بعبدا، عشية الاجتياح السوري للمتنين، عنصرا أساسيا لإكسابه «شرعية شعبية مسيحية مستدامة»، فهذا التحشيد المتواصل كان له أثر عميق عند جيل كامل من المسيحيين، عاشوا فيه «تجربة ثورية» برعاية الجيش وقائده، وكان الكثير منهم يصلون إلى قصر بعبدا آتين من مناطق واقعة تحت السيطرة السورية أو القواتية، ما عزّز الشعور بـ»الجماعة العضوية».

أمّا نفي عون، فجعله صنوا ليوسف بك كرم في التاريخ الماروني، وبعد نفيه بسنوات قليلة أعتقل جعجع وحوكم وسجن، ليتحول الخصمان العدودان عنوانا لـ»مظلومية مسيحية مشتركة». وفيما انتزع جعجع هالة رهبانية لصموده في سجنه، عاد «البطل المنقذ» المنفي وهو على قيد الحياة، وخاض الانتخابات عام 2005 ضد «قانون غازي كنعان» الانتخابي، الذي يؤدي لانتخاب أكثرية نواب المسيحيين من قبل المسلمين. يومها أساءت قوى 14 آذار تقدير الموقف، وأعتبرت أن الأولوية هي تحجيم عون، ولو كان بالتحالف مع «حزب الله» و»أمل»، في حين تحالف عون مع «مسيحيي ودروز الوصاية السورية» مثل ميشال المرّ وسليمان فرنجية وطلال أرسلان. حذّرت البطريركية المارونية من استحقاق انتخابي يحصل بهذا القانون، في حين ساجل الصحافي سمير قصير – قبل أسابيع من اغتياله على يد النظام السوري – مع هذا الموقف المارونيّ في مقالة يذكّر فيها بتضاؤل عدد المسيحيين وتحت عنوان «أتريدون تمثيلا؟». أما الزعيم الدرزي وليد جنبلاط فأبدى خشيته من «تسونامي» عوني، وهذا ما حصل باكتساح اللوائح المدعومة من عون لأغلبية مقاعد الدوائر المسيحية في جبل لبنان، وحصولها على معظم التصويت المسيحي دون التمثيل حيثما أجريت الانتخابات على أساس المحافظة، بحيث يختار المسلمون نواب المسيحيين.

لئن كابر الموارنة والمسيحيون على «قانون العدد»، فقد كابرت قوى 14 آذار طويلا وقبلها كامل «الطبقة السياسية» لعهد الوصاية السورية، على شعبية عون، العميقة لدى المسيحيين. أدى الاحتكاك بين المكابرتين للدفع بعون إلى أحضان «حزب الله» بعد ذلك ببضعة أشهر، ثم إلى دمشق وطهران، وحلف الممانعة، هو نفسه الذي حلّ ضيفا على الكونغرس الأمريكي قبل ذلك بأعوام قليلة، لتأييد «قانون تحرير لبنان ومحاسبة سوريا»، وزرع أرزة لبنانية في حديقة الكابيتول.

تراجعت شعبية عون في انتخابات 2009 دون أن يخسر أكثرية الشارع المسيحي، لكنّه اختار بدلا من ذلك سلوك درب «حلف الأقليات»، وهو ما تعزّز بعد الثورة السورية. ومع تخلّع حلف 14 آذار على خلفية القانون الانتخابي عام 2013، واتفاق عون والقوات على مشروع «القانون الأرثوذكسي» (كل طائفة تنتخب نوابها على حدة)، وتأييد «حزب الله» له، في مقابل معارضة الحريري وبري وجنبلاط، تأجّل الاستحقاق النيابي، ودخلت البلاد بعد ذلك في فراغ رئاسي. أمضى اللبنانيون العام الأول من هذا الفراغ وسمير جعجع مرشحا رسميا لـ14 آذار (وهو رشّح نفسه درءا لاحتمال توافق بين سعد الحريري وعون). وفي العام الثاني من الفراغ دفع تأييد الحريري لسليمان فرنجية «الحفيد» لسحب جعجع ترشيحه لمصلحة عون، المؤيد بشكل ازداد رسمية من طرف «حزب الله» في تموز 2015. بعد الاستمرار لأشهر طويلة في التسويق لفرنجية، عدل الحريري عن مبادرته هذه باتجاه تأييد عون. وصل «المنقذ الماروني» أو «الرئيس القوي» في نهاية المطاف، إلى الرئاسة، استنادا إلى جملة ظروف وتقاطعات جمع فيها عون بين «تفاهم تحالفي» مع «حزب الله» و»مصالحة تحالفية» مع «القوات» و»ميثاق» متجدّد مع «الطائفة السنية» (لعون الرئاسة وللحريري رئاسة الحكومة)، كما لعب الطابع الضعيف للرئاسة في عهد ميشال سليمان (بالنسبة إلى اميل لحود أو حتى الياس الهراوي) دورا في تقوية حجة أحقية من يتمتع بالشعبية الأقوى بين المسيحيين للرئاسة.

بقي أنّ وهج عون منذ الثمانينيات ارتبط بكونه «البشيري الصاعد من داخل الجيش»، قائدا له، ثم رئيسا للحكومة العسكرية، ثم قائدا للمعارضة السيادية من المنفى، ثم رئيسا لتكتل برلمانيّ لا يلبث أن يتحالف مع «حزب الله» وإيران، بعد أن كان حليفا لصدام والفرنسيين ثم الأمريكيين. ثبت وسط كل تبدلاته والمنعطفات على موقف واحد – موقف «الوعد البشيري»: الرئيس القوي مفتاح لحل المسألتين المارونية واللبنانية، وأنا هو المسيحي القوي الصاعد من رحم جهاز الدولة، والمتواصل مباشرة مع الجمهور المسيحي، اذا أنا هو الرئيس القوي. وفي النهاية، أنتخب عون رئيسا، على يساره «حزب الله»، وعلى يمينه «القوات اللبنانية»، وشريكه في السلطة التنفيذية سعد الحريري، وبالرغم من معارضة نبيه بري. فكم يستمرّ المشهد؟

المصدر : القدس العربي 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى