أقام “المعهد السوري للعدالة” المختص بتوثيق الجرائم والإنتهاكات المرتكبة بحق المدنيين في سوريا، سلسلة ندوات حوارية حول الواقع الذي تعيشه المرأة السورية بعد تعرضها للإعتقال من قبل النظام.
خطوة هامة
والحديث بهذا المستوى والمباشرة حول معاناة النساء اللاتي خضن تجربة السجن بتهمة مناصرتهن للثورة السورية، وخاصة من خلال شهادات بعضهن في هذه الندوات، يعتبر الأول من نوعه في المناطق التي يسيطر عليها الثوار بحلب، حيث لاقت الندوات حضوراً لافتاً من قبل المجالس الثورية والمنظمات المعنية بالمعتقلين.
وخلال حديثها لـ”وطن” أوضحت “رنيم ليال” وهي مدرسة ومعتقلة سابقة لدى النظام، أن عملية الإعتقال بالنسبة للمرأة تعتبر نقطة تحول في حياتها، تكون غالباً الضربة القاضية لجميع أحلامها، وقد تودي إلى خلل عقلي وانهيار نفسي لديها، اذا لم يقم المجتمع الذي تنتمي إليه بتدارك الموقف سريعاً.
وأضافت ليال: تعيش المعتقلة أسوء فترات تجربتها في الأسابيع الأولى التي تلي خروجها من السجن، وتحديداً بمواجهة الإنطباع الذي تكونه عن رد فعل وطريقة تعاطي محيطها وبالأخص عائلتها مع تجربتها في المعتقل، وخاصة لجهة امكانية أن تكون قد تعرضت لاعتداء جسدي أو اغتصاب، وهي الفكرة التي تخشاها كل المعتقلات.
رنيم أكدت أن الصعوبة الحقيقة التي واجهتها في العودة إلى الحياة الطبيعية تمثلت في رغبة اسرتها بداية بالتكتم على مكان غيابها خلال فترة الاعتقال، لكنها قاومت ذلك لأنها لم تكن مذنبة، ومع مرور الزمن تمكنت من العودة إلى حياتها الطبيعية، وذلك بفضل التجاوب الكبير من قبل زوجها ولاحقاً جميع أفراد عائلتها.
المواجهة والتغيير
العمل على تغيير الصور السائدة في المجتمع عن المعتقلة السياسية، وصراع هذه الفئة بين ألم الماضي الذي يحمل معه معاناة نفسية أكبر مما هي جسدية، والواقع الذي يفرضه عليها المجتمع الذي تنتمي إليه، هو الجهد الأكبر الذي تحاول المرأة السورية التي عانت مرارة الإعتقال من خلال بذله، والتغلب على تحديات ما بعد خروجها من السجن.
فقد أكدت تقارير لمنظمات أممية وأخرى انسانية، هجر الكثير من المعتقلات المجتمع الذي ينتمين إليه، والتوجه نحو الدول المجاورة، هرباً من المواجهة التي فرضها الواقع عليهن، حيث يجد الكثير منهن مصاعب وتحديات جديدة لا يستطعن التعايش معها، وأهمها محاولة تدبر أمورهن المعيشية بالتزامن مع محاولات الإبتعاد عن الواجهة الإجتماعية.
ويحاول المعهد السوري للعدالة من خلال استهدافه الشريحة المثقفة والمؤسسات الإجتماعية، العمل على تغيير الفكرة السائدة عن المرأة المعتقلة، وتقديم الدعم النفسي والإجتماعي لها، من خلال دمجها مجدداً في المجتمع وتوفير فرص عمل لها، تجعلها تشعر بأنها مكون رئيسي في عملية التغير الذي يقودها السوريين، كما أوضح “عبد القادر مندو” مدير المعهد السوري للعدالة.
ميثاق ملزم ومسؤوليات
وقال “عبد القادر مندو” مدير المعهد السوري للعدالة: خرج المسؤولون والمنظمات التي حضرت الندوات الأخيرة، والتي استمرت يومين متتاليين، بميثاق وتوصيات تهدف إلى تحسين الوضع الإجتماعي والمعيشي بالنسبة إلى الناجيات من معتقلات النظام.
وأهم هذه البنود: جعل المعتقلات أولوية في عمليات التبادل التي تحصل بين الفصائل الثورية والنظام، والإعتراف بما قدمته المرأة من تضحيات في سبيل كرامتها وحرية الشعب السوري، وتوعية المجتمع في اتجاه أن الناجية من سجون النظام ليست جانية، إنما هي فرد من أفراد المجتمع الذي يقارع أعتى الأنظمة الدكتاتورية، إضافة إلى انشاء مراكز صحية واجتماعية تعنى بمتابعة الوضع النفسي والطبي للمعتقلة السابقة.
ويتابع الأستاذ عبد القادر: تم الإتفاق مع المجلس المحلي على تخصيص وظائف للمعتقلات وتوفير المسكن لهن، والعمل على إعادة دمجهن في المجتمع من جديد، وعدم تركهن يصارعن الواقع الأليم وحيدات.
بمواجهة واقع المعتقلات السابقات المحررات من سجون النظام، والتحديات التي يفرضها المجتمع غالباً تجاههن، تبقى قضية أكثر من ألفي معتقلة (مغيبة) ومجهولة المصير، لا يعترف النظام بهن، بينما يعيش أكثر من هذا الرقم من المعتقلات الموثقات بالإسم في سجون الأمن، على أمل ابصار نور الحرية من جديد، وبدون أي منغصات.
منصور حسين – وطن إف إم – حلب